بعد أن أعلنت المفوضية العليا نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية يوم الأربعاء الماضي، بدأت التحديات تظهر داخل البيت الشيعي لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وبرز اسم رئيس الحكومة محمد شياع السوداني كأول المرشحين بعد حصوله على أكثر من مليون صوت انتخابي، لكن في المقابل توجد كتل شيعية داخل الإطار التنسيقي، في مقدمتها "ائتلاف دولة القانون" بقيادة نوري المالكي، تتحرك لإعادة ترتيب أوراقها خشية صعود السوداني مرة أخرى.
وأعلنت المحكمة الاتحادية، اليوم الاثنين، إنهاء أعمال مجلس النواب وتحويل الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال.
معادلة تشكيل الحكومة
وأظهرت نتائج الانتخابات حصول ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة السوداني على 45 مقعدا نيابيا، تلاه ائتلاف دولة القانون بقيادة نوري المالكي 30 مقعدا نيابيا، ثم كتلة "صادقون" بقيادة قيس الخزعلي 26 مقعدا نيابيا، وكتلة "بدر" بقيادة هادي العامري 19 مقعدا نيابيا، وقوى الدولة بقيادة عمار الحكيم 18 مقعدا نيابيا.
وعند جمع كل هذه المقاعد مع بعضها، يصبح مجموع مقاعد قوى الإطار التنسيقي 138 مقعدا من أصل 329 مقعدا نيابيا، لكن للحصول على ثقة البرلمان العراقي يحتاج المرشح لرئاسة الحكومة إلى تأييد نصف أعضاء مجلس النواب + 1، أي 165 مقعدا على الأقل.
ويعتبر الإطار التنسيقي الكتلة الأكبر في البرلمان العراقي، التي رشحت محمد شياع السوداني ليكون رئيسا للحكومة في الدورة الانتخابية عام 2021، لكن في هذه الانتخابات تغيرت المعادلة، بعد أن أعلن السوداني انشقاقه عن "ائتلاف دولة القانون" وتشكيل "ائتلاف الإعمار والتنمية"، ما اعتبرته القوى الشيعية التقليدية انفصالا عن سياسة الإطار التنسيقي ورغبة من السوداني بتشكيل تحالفات جديدة بعيدا عنها. فهل بدأ الصراع داخل البيت الشيعي على رئاسة الحكومة؟ وهل سينجح السوداني بالولاية الثانية؟
المالكي يتحرك لإضعاف السوداني
تناقلت وسائل إعلام عراقية أخبارا عن تحركات داخل الإطار التنسيقي لإضعاف موقف السوداني عبر استمالة شخصيات شيعية وتشكيل تحالفات جديدة لضمان المحافظة على الكتلة الأكبر في البرلمان، التي من مهمتها ترشيح رئيس الحكومة القادمة، وأن زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي يسعى لاستمالة القوى الشيعية الأخرى داخل الإطار وإبعادها عن السوداني، وقد تناقلت أخبار غير رسمية عن زيارة له اليوم الاثنين إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان، وهي الأولى بعد الانتخابات، إلا أنه لم يُعلن عنها في وسائل الإعلام الرسمية العربية والكردية.
ويرى مراقبون أن زيارة السوداني إلى أربيل محاولة للحصول على تأييد الزعيم الكردي مسعود بارزاني للوصول إلى كرسي الحكومة، فالسوداني لا يمكنه الوصول إلى الحكومة بـ48 مقعدا، وهو بحاجة إما للتحالف مع قوى الإطار التنسيقي ذاتها، أو الاتجاه للكتلة الكردية أو السنية، بينما يرى آخرون أن هذه الزيارة هي إعلان واضح من ائتلاف الإعمار والتنمية انفصاله عن قوى الإطار التنسيقي الشيعية.
وعن ذلك يقول عضو تيار الحكمة رحيم العبودي، لمنصة" المشهد"، إنه لا يوجد داخل الإطار التنسيقي قرار باستبعاد السوداني حتى الآن، لكن يوجد حراك لائتلاف دولة القانون ضد الولاية الثانية للسوداني، هذا يعني أن هناك جهة واحدة فقط داخل الإطار، متمثلة بنوري المالكي، تحاول أن تتحرك لتفتيت كتلة السوداني وإضعاف حظوظه مع الشركاء.
وعن نوعية هذه التحركات، يجيب العبودي: "تعمل كتلة نوري المالكي على استمالة الفائزين في الانتخابات، أي النواب القادمين، وتقدم لهم وعودا مستقبلية، مثل إعطائهم مناصب أو الحفاظ على مناصبهم الحالية، مقابل الابتعاد عن كتلة السوداني، إذا السوداني يتعرض لضغط داخلي من داخل كتلته، نتيجة أن بعض النواب من كتلة الإعمار والتنمية لا يرغبون بتحالفات بعيدة عن الصف الشيعي، وضغط خارجي من قبل نوري المالكي".
تردد بين الكتل
أما باقي كتل الإطار التنسيقي، مثل تحالف الفتح (هادي العامري)، تيار الحكمة الوطني (عمار الحكيم)، ائتلاف النصر (حيدر العبادي)، فمنهم من أعطى الخيار بالولاية الثانية للسوداني، والبعض الآخر ما زال مترددا، إذا القرار النهائي لم تتم صياغته، ولا بد للإطار التنسيقي أن يجتمع ويقرر، بحسب الحكيم.
وبالنسبة لموقف تيار الحكمة، يجيب الحكيم: "دائما كتلة عمار الحكيم تذهب بالاتجاه الذي يلم شمل الإطار وليس ما يشتته، إذا كانت الولاية الثانية للسوداني لا تعزز تماسك الإطار التنسيقي كأكبر كتلة في البرلمان العراقي تقرر ترشيح رئيس الحكومة، فإن تيار الحكمة لن يكون معها، نرى أن السوداني خرج عن شراكة الإطار التنسيقي واتجه للأكراد والسنة، ما يعزز ذلك زيارته الحالية لأربيل".
وأضاف "من المؤكد أن التحالفات لا تأتي دون تنازلات ووعود ومكاسب، كل الملفات العالقة بين الحكومة المركزية في بغداد وحكومة إقليم كردستان، سواء ملف الرواتب وتصدير النفط وغيرها، كلها ستكون على طاولة الحوار. لن يستطيع السوداني بناء تحالفات مع الأكراد دون مناقشتها. كما أن السوداني يحاول من خلال هذه التحركات الضغط على قوى الإطار التنسيقي للقبول به كرئيس للحكومة القادمة".
وعن أسباب تحركات المالكي ضد السوداني، يجيب الحكيم: "يرى المالكي أن السوداني هو الضد النوعي له، ولا يرغب أن يتخطاه، لذلك يعمل على عرقلة تحركاته، يقوم بذلك عبر أكثر من مسار في سبيل ألا تكون هناك ولاية ثانية للسوداني".
اجتماع للإطار التنسيقي
كانت مصادر في الإطار التنسيقي كشفت لوسائل إعلام عراقية عن اجتماع سيعقده قادة الإطار التنسيقي للتباحث حول 15 مرشحا لرئاسة الحكومة الجديدة، أبرزهم رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني ورئيس جهاز المخابرات حميد الشطري، رجحت المصادر الولاية الثانية للسوداني كونه يحظى بتأييد محلي وإقليمي ودولي.
عن ذلك يقول عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية النائب ياسر إسكندر وتوت لمنصة" المشهد" إنه لا يوجد أي خلاف داخل الإطار التنسيقي حول استلام السوداني للولاية الثانية للحكومة، ولم تبدأ أي مفاوضات علنية، ربما هناك تحركات سرية لكنها ليست رسمية.
وأضاف وتوت "نرى أن السوداني من أبرز الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة القادمة، لأنه خلال الدورة النيابية الأولى حقق الكثير من المشاريع الإصلاحية وكسب ثقة الشارع العراقي".
وفي سياق متصل، يقول مدير مركز قراءات للإعلام والتنمية أثير الشرع، إن اجتماعات قادمة للإطار التنسيقي سينتج عنها عدة شخصيات سيتم طرحها وترشيحها لرئاسة الحكومة.
وأضاف الشرع في حديثه لـ"المشهد": "احتمالية عودة السوداني قائمة، لا يوجد حاليا داخل الإطار التنسيقي خط أحمر حول شخصية رئيس الحكومة، بل ينصب جهد قوى الإطار التنسيقي على وحدة البيت الشيعي، كما لا تتم مناقشة مسائل متعلقة باستبعاد أي شخصية، أما إذا كان لدى السوداني النية بأن ينفرد أو يتحالف مع الأكراد أو السنة فهذا أمر مختلف، لكن لا يمكنه أن يشكل حكومة بمفرده، لا بد من موافقة قادة الإطار التنسيقي".
وأوضح الشرع أنه ليس هناك أي خطة لعزل السوداني، بل على العكس من الممكن أن يتم التجديد له، أو ربما ترى الكتل أنه من الضرورة اختيار شخصية أخرى، مضيفا: "نرى أن إعلان الحكومة سيكون قريبا جدا مقارنة بالدورات السابقة، يتم حاليا ترطيب الأجواء وإجراء التفاهمات مع جميع الكتل السياسية، لضمان ثقة الشارع العراقي بعد أن شارك في الانتخابات وحقق نسبة أكثر من 55%، لذلك ترغب الكتل السياسية بالمحافظة على صوت الناخب والعمل من أجل تشكيل حكومة تضمن حقوقه".
ويرى أن زيارة السوداني لأربيل لا تدل على أي حركة سياسية، بل هي زيارة عادية ليس لها أي علاقة ببناء تحالفات جديدة، لعدة أسباب، أولها أن هناك مشكلة داخل البيت الكردي بين الحزبين الرئيسيين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لا بد للأحزاب الكردية أن تجتمع مع بعضها وتلم شملها أولا، كما لا يمكن أن تذهب أي شخصية شيعية للاتفاق مع أي جهة كردية دون اتفاق كل الأطراف الكردية.
وفي السياق ذاته، يؤكد الخبير السياسي علي البيدر، أن استبعاد السوداني من العملية السياسية ليس أمرا سهلا، لأنه يتكئ على نجاحات عديدة وحالة رضا مجتمعي ومقبولية إقليمية ودولية، في حال استبعاده سيلجأ إلى خيار المعارضة، ما سيزعج قوى الإطار التنسيقي.
وقال البيدر في حديثه لـ"المشهد" "على العكس حظوظه أقوى من حظوظ من يريد استبعاده، قوى الإطار التنسيقي تحاول أن تكون أكثر تماسكا وتدرك أن عودة السوداني إلى رئاسة الحكومة ستؤدي لعودة قوى الإطار التنسيقي متماسكا كما كانت في السابق".
(المشهد - بغداد)