في ذكرى انقلاب 2016 الفاشل.. إردوغان يدخل التاريخ التركي

شاركنا:
بعد فشل الانقلاب حاول إردوغان جاهدا وضع كل سلطات البلاد في يده (رويترز)
هايلايت
  • ركز إردوغان على الجيش الذي كان "رأس الحربة" في الانقلاب.
  • محاولة الانقلاب أدت لتشكيل وصاية مدنية من خلال بعض ممارسات الحكومة.
  • دلّت الانتخابات الماضية والتي فاز إردوغان فيها أنه خسر جزءا كبيرا من شعبيته.

شهدت الجمهورية التركية في تاريخها الحديث منذ عام 1923 خمس انقلابات عسكرية، كان آخرها عام 2016 والذي يسمى انقلاب "الساعات الخمس"، الذي قسّم فترة حكم إردوغان التي تمتد لعقدين إلى مرحلتين، ما قبل الانقلاب وما بعده، إذ إن تركيا اليوم لا تشبه تركيا قبل عام 2016.

وبعد فشل الانقلاب حاول إردوغان جاهدا وضع كل سلطات البلاد في يده، وركز تحديدا على الجيش الذي كان "رأس الحربة" في الانقلاب، حيث سرح العديد من الضباط، وعيّن شخصيات عسكرية مؤيدة له، وليس ذلك فحسب، فقد حول النظام في البلاد من برلماني علماني إلى رئاسي وأقرب ما يكون إلى "نظام الرجل الواحد".

إردوغان والتاريخ

يُعد إردوغان من الشخصيات البارزة في التاريخ التركي، وذلك لأسباب عديدة، أبرزها أنه الوحيد الذي استطاع إفشال الانقلاب العسكري، في وقت لم يستطع فيه أي رئيس سابق من فعل ذلك، بل اعتقلوا وأعُدموا أو توفوا في سجنهم. لم يكن أمام إردوغان إلا خيارين، إما السيطرة على البلاد وإفشال الانقلاب وحكم العسكر، أو مواجهة مصير الرؤساء السابقين مثل عدنان مندريس الذي تم إعدامه بعد الانقلاب عام 1960.

دائما ما يكسب إردوغان المعارك التي يدخلها سواء السياسية منها أم العسكرية، وغالبا ما تكون الأمور لصالحه، بالإضافة إلى العديد من المعرك التي كسبها، فقد سيطر على الفوضى في البلاد بمدة زمنية قصيرة جدا وأعاد البلاد إلى قبضته خلال ساعات.

وفي هذا السياق يقول الأكاديمي التركي تانجو توسون في حديث خاص إلى منصة "المشهد": "أصبح من الواضح أن المجتمع التركي يعارض الانقلابات العسكرية بشكل مطلق، حيث أنهت محاولة الانقلاب تقليد التدخل العسكري والتدخل في السياسة، الذي كان موجودا في تركيا منذ الإمبراطورية العثمانية".

ويضيف توسون "بعد هذه المحاولة الانقلابية، ازداد جنون الانقلاب الموجود بالفعل في السلطة، وأدت بعض الإجراءات المتخذة لمنع حدوث مثل هذه الانقلابات مرة أخرى إلى الاستبداد وتشكيل وصاية مدنية، المجتمع في تركيا الآن ضد الوصاية العسكرية، لكنه أيضا ضد الوصاية المدنية. وأدت محاولة الانقلاب إلى تشكيل وصاية مدنية من خلال بعض ممارسات الحكومة، وبينما كان يجري التحقيق مع أعضاء التنظيمات الإرهابية بعد الانقلاب، أدت بعض القرارات الخاطئة الصادرة عن القضاء إلى تراجع الثقة بالقضاء والحكومة وهذا ليس إيجابيا بالنسبة للديمقراطية التركية".

كيف فشل الانقلاب

تصرف إردوغان بذكاء وحنكة دبلوماسية، فلم يقف مكتوف الأيدي، بل حاول جاهدا عدم مواجهة مصير الرؤساء السابقين، إذ توجه إردوغان إلى الأتراك عبر الهاتف لصحافية شهيرة في محطة "سي إن إن-تورك" التلفزيونية، القناة الخاصة الأكثر مشاهدة في تركيا، لعدم قدرته الوصول إلى مقر التلفزيونات، ودعا الشعب التركي إلى النزول إلى الشوارع لإفشال حكم العسكر، والمحافظة على استقرار البلاد، ولبى الشعب التركي النداء بسرعة، ونزل إلى الشوارع مطالبين الجيش بالانسحاب والتراجع.

ويرجع الأستاذ في العلوم السياسية توسون السبب الرئيسي لفشل محاولة الانقلاب في 15 يوليو "هو أن محاولة الانقلاب هذه قام بها مجموعة من أعضاء منظمة إرهابية تعمل داخل القوات المسلحة التركية. بالمقابل، فإن الانقلابات التي حدثت في تركيا بعد عام 1960 كانت عن طريق سيطرة الجيش على السلطة أو عبر مذكرة عسكرية للحكومات المدنية، وذلك كتدخل عسكري في السياسة المدنية كمؤسسة كاملة، حيث كان سبب نجاحها هو تأييد الشعب التركي في الوقت الذي لم يدعم فيه انقلاب 2016".

ودلّت الانتخابات الماضية والتي فاز إردوغان في جولتها الثانية بفارق بسيط عن منافسه، أن إردوغان خسر جزءا كبيرا من شعبيته، وكل الذي صوتوا للمعارضة والذين وصلت نسبتهم إلى النصف تقريبا لا يريدون إردوغان.

وحول ذلك يشرح توسون لـ"المشهد" أنه "على الرغم من وجود كتلة معارضة بنسبة 50% في تركيا ضد إردوغان وحكومته، فإن إيمان الشعب بالديمقراطية وأن السياسيين المنتخبين يأتون ويذهبون مع الانتخابات ثابت، وبغض النظر عن الأيديولوجية التي يتبنونها في تركيا، وأيا كان الحزب الذي يؤيدونه، فإن جميع الناخبين هم ضد الانقلاب العسكري".

إن مستوى الالتزام بالمؤسسات الديمقراطية أعلى بكثير من قبل بحسب توسون، "كما أن المؤسسات العسكرية تحت تصرف السياسيين المنتخبين والسياسة المدنية، لذلك فإن الحديث عن احتمال حدوث انقلاب في تركيا الآن يعني عدم معرفة السياسة التركية والديمقراطية والمجتمع".

العلمانية المطلب الأساسي

غالبا ما كان الانقلاب في تركيا يعود إلى أسباب تتعلق بالابتعاد عن النهج العلماني الذي قامت عليها الجمهورية التركية، أو إلى ابتعاد تركيا عن النهج الأميركي وقربها من السوفييتي آنذاك.

في بعض المراحل الزمنية، كان هناك حرية سائدة لكن كان يحدث انقلابا عسكريا لأسباب مختلفة، أبرز قصة حول هذا الأمر، في 5 مايو 1960 حيث نظمت مجموعة من الطلاب في أنقرة مظاهرة تحت اسم (k555)، وتواجد رئيس الوزراء حينها عدنان مندريس وتعرض لمحاولة هجوم وخنق من طالب، فسأل مندريس الطالب ماذا يريد فقال: "الحرية"، ليرد عليه: "أنت الآن تلف يديك حول عنق رئيس الوزراء.. هل توجد حرية أكثر من هذه؟".

في هذا الصدد يبين تاسون لـ"المشهد" أن "الحكومة المدنية الأكثر إشكالية هي أفضل حتى من النظام العسكري، حتى لو نجحت محاولة الانقلاب واستولى الجيش على السلطة، لكانت تركيا قد عاشت في ظل نظام شمولي لسنوات عديدة. هناك مشاكل مع الديمقراطية اليوم والسلطة السياسية سلطوية، ومع ذلك، فإن المجتمع يحدد السلطة عن طريق الاختيار الذي يقوم به في الانتخابات، وهذا مهم جدا للديمقراطية".

وأضاف "لا غنى عن الإرادة الوطنية للمجتمع والسياسة في تركيا. لذلك، وبسبب فشل محاولة الانقلاب، فإن النظام السياسي في تركيا يعمل، وإن كان به بعض الثغرات، بالرغم من وجود أزمة اقتصادية، نعلم أن هناك مؤسسات ديمقراطية وسياسيين منتخبين لحل المشاكل. حينها لو أن محاولة الانقلاب كانت ناجحة، وسيطر الجيش على الاقتصاد والسياسة والبيروقراطية وحدها، وتم إغلاق البرلمان، هذا يعني عودة ربع قرن إلى الوراء بالنسبة للتركيا". 

(المشهد)