اقتحم محتجون ليبيون الاثنين، مجمع "مليتة الصناعي" غرب العاصمة طرابلس، وأغلقوا خطوط إمدادات الغاز المغذية لمحطات توليد الكهرباء، في تصعيد غير مسبوق للاحتجاجات التي تشهدها المنطقة الغربية ضد الحكومة، بسبب الانقطاعات المتواصلة للتيار الكهربائي، ما أدّى إلى بروز دعوات للتظاهر والعصيان المدني في الشوارع.
الكهرباء أشعلت العصيان
ويعتبر المختص في الشأن الليبي محمد محفوظ في تصريح لمنصة "المشهد"، أن ما يقع في طرابلس ونواحيها حاليًا، هو نتيجة متوقعة لحالة الغليان التي تشهدها المنطقة الغربية عمومًا، وجاءت أزمة الكهرباء لتكون "القشة التي قصمت ظهر المواطن الليبي، وتسببت في زيادة الاحتقان، والخروج للاعتصام والعصيان".
ويعدّ إغلاق "مجمع مليتة" أخطر تطور تشهده الأزمة، منذ اندلاع الاحتجاجات قبل أيام، إذ انتقلت التحركات من إغلاق طرق ومقار حكومية في العاصمة، إلى استهداف منشأة تمثل أحد أهم مفاصل قطاع الطاقة الليبي، وهو ما رفع المخاوف من تداعيات قد تتجاوز أزمة الكهرباء، لتطال إنتاج النفط والغاز، المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.
وقالت المؤسسة الوطنية للنفط في بلاغ لها، إن إغلاق المجمع، أدّى إلى توقف الإنتاج بالكامل في حقل "الفيل"، فيما تأثرت عمليات الإنتاج في حقل "الوفاء"، مؤكدة أن نقص إمدادات الغاز تسبّب في خروج عدد من وحدات توليد الكهرباء عن الخدمة.
وحذّرت من أن استمرار الإغلاق، قد يؤدي إلى توقف وحدات إضافية وحدوث إظلام واسع، وربما انقطاع شامل للتيار، داعية إلى التدخل العاجل لتأمين المنشأة، وتمكين الفرق الفنية من استئناف عملها، مع التحذير من اللجوء إلى إعلان حالة القوة القاهرة، إذا تعذّر تشغيل المجمع.
الحكومة تتدخل
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء بدورها، أن إقفال خطوط الغاز المغذية لمحطات التوليد، يهدد بخروج مزيد من الوحدات عن الخدمة، مؤكدة في بيان لها أن "استمرار انخفاض ضغط الغاز، قد يؤدي إلى انهيار الشبكة الكهربائية بالكامل، والدخول في حالة إظلام عام، إذا لم تستأنف الإمدادات بصورة عاجلة".
ويؤكد محفوظ أن موجة الحر التي تضرب ليبيا هذه الفترة، ساهمت في زيادة الاحتقان، خصوصًا مع انقطاع وقود الديزل الضروري لتشغيل مولدات الكهرباء في المستشفيات والمصحات الخاصّة، وحتى في بيوت الليبيين.
وسارعت حكومة الوحدة الوطنية إلى التدخل، إذ وجه عبد الحميد الدبيبة وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة، بالتحرك الفوري لبسط السيطرة على "مجمع مليتة" وتأمينه، مع إعادة فتح خطوط الغاز، واستئناف ضخها إلى محطات الكهرباء.
كما شدد على أن منشآت النفط والغاز والكهرباء، مرافق سيادية تخضع لسلطة الدولة، محذرًا في بيان، من أن أيّ محاولة لتعطيلها، أو عرقلة العاملين فيها، ستواجه بإجراءات حاسمة وفق القانون.
لكن إغلاق مجمع مليتة لم يكن سوى الحلقة الأحدث في أزمة تتصاعد منذ أسابيع، بحسب المختص في الشأن الليبي، مع تزايد ساعات طرح الأحمال، واتساع رقعة الغضب الشعبي في العاصمة طرابلس، وعدد من مدن المنطقة الغربية، حيث خرج مئات المحتجين إلى الشوارع، احتجاجاً على تدهور الخدمات الأساسية، في وقت تجاوزت فيه درجات الحرارة 45 درجة مئوية في أجزاء واسعة من البلاد.
عصيان مدني واسع
وأعلن "حراك سوق الجمعة" في العاصمة طرابلس، بدء خطوات للعصيان المدني السلمي، شملت إغلاق عدد من المؤسسات المرتبطة بقطاع النفط، من بينها وزارة النفط والغاز والمؤسسة الوطنية للنفط وعدد من الشركات العاملة في القطاع، مؤكدًا في بيان أن التحرك يهدف إلى الضغط على السلطات للاستجابة لمطالب المحتجين، مع التشديد على رفض أيّ أعمال تخريب أو اعتداء على الممتلكات.
ويعكس انتقال الاحتجاجات إلى منشآت الطاقة تحولًا في طبيعة الأزمة بحسب المختص، إذ لم تعد المطالب تقتصر على تقليص ساعات انقطاع الكهرباء، بل أصبحت تستهدف المؤسسات التي يرى المحتجون أنها تمثل جوهر الأزمة، في ظل استمرار تعثر مشاريع تطوير قطاع الكهرباء، وتكرار الوعود الحكومية، دون تحقيق تحسن ملموس في مستوى الخدمة.
وتشير البيانات الليبية الرسمية وتقارير قطاع الكهرباء، إلى أن الطلب على الطاقة بلغ خلال صيف 2026 مستويات قياسية، مدفوعًا بارتفاع درجات الحرارة والتوسع العمراني وزيادة الاستهلاك، بينما بقيت القدرة الإنتاجية أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، نتيجة تأخر مشاريع الصيانة والتوسعة، وخروج عدد من وحدات التوليد عن الخدمة، بسبب الأعطال ونقص الوقود والغاز.
ولا تقتصر أهمية المجمع على السوق المحلية، إذ يعدّ أحد أهم مراكز معالجة الغاز في ليبيا، كما يمثل محطة رئيسية لخط "غرين ستريم" الذي ينقل الغاز الليبي إلى إيطاليا، وهو ما يمنح أيّ تعطيل لعمله أبعادًا اقتصادية تتجاوز الحدود الليبية، في وقت تسعى فيه البلاد إلى الحفاظ على مستويات إنتاجها من النفط والغاز، بعد سنوات من الاضطرابات الأمنية والسياسية.
تهديد لحكومة الدبيبة
وتأتي الأزمة الحالية حسب المختص في الشأن الليبي، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، وهو ما انعكس على تنفيذ مشاريع البنية التحتية في قطاع الكهرباء، وأدى إلى تباطؤ خطط التحديث والصيانة، رغم الإنفاق الكبير الذي شهدته السنوات الماضية.
ويرى مراقبون أن أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة، ليس فقط احتمال انقطاع الكهرباء على نطاق واسع، وإنما انتقال أدوات الضغط الشعبي إلى منشآت الطاقة، بما يجعل استمرار الاحتجاجات، يحمل مخاطر مباشرة على قطاع يمثل العمود الفقري للاقتصاد الليبي.
ويذكر محفوظ بالأزمات السابقة التي شهدها غرب ليبيا بسبب حكومة الوحدة الوطنية، وخصوصًا الاشتباكات المسلحة التي عرفتها مدينة الزاوية، والانفلات الأمني في عدد من المناطق الأخرى، مما زاد من حدّة الانقسام وحتى "التهديد بعودة الاقتتال الداخلي".
وبينما تحاول حكومة طرابلس احتواء الاحتجاجات وإعادة تشغيل مجمع مليتة، تبدو الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد، إذا لم تستعد إمدادات الغاز بصورة كاملة، أو إذا استمرت الانقطاعات الكهربائية خلال ذروة الصيف.
ويربط محفوظ مدى تأثير الاحتجاجات الحالية، باستمرارية الشارع في التظاهر وتأكيد مطالبه، مما يزيد من فعالية الحراك، ويقول لـ "المشهد" إن "صوت الشارع السلمي يؤثر بدون شك إذا ما تم ضمان استمراريته وفعاليته، ويساعد على إنهاء الأزمة التي لطالما اشتكى منها الليبيون، عبر حل جذري داخل كل ليبيا وليس طرابلس فقط".
(المشهد)
