بين التصعيد والتهدئة.. إستراتيجية أميركا الجديدة في حرب إيران

آخر تحديث:

شاركنا:
خبراء: إدارة ترامب تتبنى سياسة الاحتواء والتصعيد وفقا للمعطيات على أرض الواقع (رويترز)
هايلايت
  • الردع والتفاوض.. ازدواجية المقاربة الأميركية تجاه إيران ولبنان.
  • إسرائيل وإيران في قلب المعادلة.. من يعرقل مسار الاتفاقات الأميركية في المنطقة؟
  • محللون: أميركا ترغب في فصل ملف لبنان عن المفاوضات مع إيران.

في تصريحات متلاحقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب وإدارته خلال الأيام الأخيرة، برز خطاب أكثر وضوحا في اتجاهين متوازيين، تشديد الضغط على إيران عبر التأكيد على استمرار سياسة الردع والعقوبات ومنع أي تقدم في برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي، مقابل الدفع باتجاه تثبيت التهدئة في لبنان ومنع انزلاق الجبهة الجنوبية مجدداً إلى مواجهة مفتوحة مع إسرائيل.

وبين لهجة لا تستبعد التصعيد إذا فشلت المسارات التفاوضية مع طهران، وحديث متزايد عن ضرورة تثبيت الاستقرار على الجبهة اللبنانية عبر ترتيبات أمنية وسياسية دقيقة، عاد الجدل في واشنطن حول ما إذا كانت الإدارة الأميركية تتحرك فعلاً نحو مقاربة تقوم على تسويات مرحلية في الشرق الأوسط، أم أنها لا تزال تدير التصعيد بوسائل مرنة تقوم على الضغط وإدارة الأزمات بدلا من إنهائها.

هذا التباين في الخطاب يفتح الباب أمام سؤال أوسع يتردد داخل دوائر القرار في واشنطن: هل نحن أمام تحول تدريجي في إستراتيجية الولايات المتحدة من منطق الحرب والاحتواء إلى منطق التسويات وإعادة ترتيب النفوذ، أم أن ما يجري لا يعدو كونه إعادة توزيع للضغوط ضمن مقاربة أكثر تعقيدا تربط بين أكثر من ساحة إقليمية في وقت واحد، من دون انتقال فعلي في العقيدة السياسية؟

فصل الملفات

يرى المحامي والدبلوماسي الأميركي السابق والمقرّب من الحزب الجمهوري ستيف جيل، أن المقاربة الحالية لإدارة ترامب تقوم على فصل الملفات الإقليمية بين إيران ولبنان وإسرائيل، مع الإبقاء على إمكانية الانتقال إلى تسوية أوسع إذا نضجت الظروف السياسية والأمنية بما يسمح بذلك.

ويشرح جيل لمنصة "المشهد" أن واشنطن لا تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها حزمة واحدة مترابطة بشكل إلزامي، بل تنظر إليها كمسارات تفاوضية منفصلة يمكن إدارتها بشكل مرن، بحيث لا يؤدي تعثر أحدها إلى انهيار بقية المسارات: "أعتقد أن المقاربة ستكون الإبقاء على الملفات منفصلة… لكن إذا أتيحت فرصة لتحرك أوسع لتحقيق سلام في الشرق الأوسط، فإن الرئيس ترامب سيكون منفتحاً على ذلك".

ويضيف أن الهدف الأساسي في هذه المرحلة هو منع أي ملف إقليمي من التحول إلى عامل تعطيل لمسار ملف آخر، خصوصاً في لحظات التفاوض الحساسة التي تتطلب هامشا واسعا من المناورة السياسية:"لا أعتقد أنه يريد أن يسمح لأي عنصر بأن يمنع التوصل إلى اتفاق مع إيران أو بين إسرائيل ولبنان".

ويخلص جيل إلى أن هذه المقاربة لا تقوم على رؤية جامدة أو خطة مغلقة، بل على إدارة مفتوحة للفرص السياسية، حيث تتحرك واشنطن بين التصعيد والتهدئة وفق تطور الوقائع على الأرض، ما يجعلها أقرب إلى البراغماتية السياسية منها إلى العقيدة الإستراتيجية الثابتة.

دبلوماسية مشروطة

في المقابل، يقدم البروفيسور غابرييل صوما، العضو السابق في المجلس الاستشاري للرئيس الأميركي، لمنصة "المشهد" قراءة أكثر تركيبا لطبيعة المقاربة الأميركية، معتبرا أن الحديث عن فصل كامل بين الملفات الإقليمية يبقى أقرب إلى التصور النظري منه إلى الواقع العملي في الشرق الأوسط.

ويشير صوما إلى أن أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران لن يظل محصورا في الإطار النووي فقط، بل ستكون له انعكاسات مباشرة وسريعة على الساحة اللبنانية، حيث يتداخل النفوذ الإيراني مع التوازنات الداخلية اللبنانية ومع الحسابات الأميركية والإسرائيلية في آن واحد.

ويضيف أن واشنطن، رغم خطابها الرسمي الذي يدعو إلى فصل المسارات، تدرك عمليا أن الساحات في الشرق الأوسط مترابطة أمنيا وسياسيا، وأن أي تغير في أحدها سينعكس تلقائيا على بقية الملفات، سواء في لبنان أو سوريا أو العراق، ما يجعل إدارة التوازن أكثر أهمية من فكرة الفصل الكامل.

ويخلص صوما إلى أن السياسة الأميركية في هذه المرحلة تقوم على "إدارة ترابط غير معلن بين الساحات"، بحيث يتم احتواء التصعيد من جهة، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة من جهة أخرى، في محاولة لتجنب انفجار إقليمي واسع قد يعطل أي مسار دبلوماسي قائم.

إسرائيل في قلب معادلة القرار الأميركي

من زاوية مختلفة، يرى الإعلامي والعضو في الحزب الديمقراطي سامح الهادي، أن فهم السياسة الأميركية تجاه إيران ولبنان لا يمكن فصله عن الدور الإسرائيلي في صياغة مسار التفاوض، سواء بشكل مباشر أو عبر التأثير غير المباشر على أولويات واشنطن.

ويشير المتحدث لمنصة "المشهد" إلى أن عددا من محطات التفاوض السابقة بين واشنطن وطهران شهدت تعديلات ملموسة في الشروط أو الإيقاع السياسي بعد مشاورات مكثفة بين البيت الأبيض وتل أبيب، ما يعكس حجم التشابك في القرار السياسي عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.

ويضيف أن إسرائيل تنظر إلى أي تسوية مع إيران باعتبارها مسألة مرتبطة مباشرة بميزان القوى الإقليمي، خصوصا في لبنان وسوريا، وهو ما يجعلها فاعلا مؤثرا في رسم حدود أي اتفاق محتمل، حتى وإن لم تكن طرفا رسميا في المفاوضات.

بينما تؤكد واشنطن رسميا أنها تفصل بين الملفات، ترى أطراف إقليمية أن الواقع الميداني والسياسي يعكس ترابطا فعليا بين الساحات المختلفة في المنطقة. فإيران تستخدم نفوذها في لبنان كورقة ضغط تفاوضية مهمة، في حين تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل على تقليص هذا النفوذ عبر الدفع باتجاه فصل المسارات، بهدف منع تحويل لبنان إلى منصة تأثير إقليمي مباشر في أي مفاوضات مع طهران.

وفي المقابل، يبقى لبنان نفسه في موقع حساس للغاية، حيث يمكن لأي تصعيد داخله أن يعيد خلط الأوراق على مستوى المنطقة بأكملها، وفق وجهة نظر سامح الهادي.

ورغم اختلاف الزوايا، تتفق القراءات الـ3 على أن هذا الفصل، حتى إن استمر على مستوى الخطاب السياسي، لا يلغي حقيقة الترابط العملي بين الملفات على الأرض، بل يعيد فقط تنظيم طريقة إدارتها.

(المشهد - واشنطن)