أكد راعي كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأب ثيودوروس صويص أن الهجوم الذي استهدف المصلين خلال إقامة "جنّاز" داخل الكنيسة لم يكن استهدافا للمسيحيين وحدهم، بل محاولة للنيل من الأردن بأكمله وزعزعة أمنه واستقراره، وإحداث شرخ بين المسلمين والمسيحيين الذين تجمعهم علاقات تاريخية راسخة.
تفاصيل الهجوم داخل الكنيسة
وروى صويص في حديثه لبرنامج "توتر عالي" الذي يقدّمه الإعلامي طوني خليفة على قناة ومنصة "المشهد"، تفاصيل اللحظات الأولى للهجوم، موضحا أن الكنيسة كانت مكتظة بالمصلين الذين حضروا للمشاركة في "جنّاز" على روح إحدى بنات عشيرة الهلسة من أبناء بلدة حمود، فيما اضطر عدد كبير من الحاضرين إلى البقاء خارجها بسبب امتلائها.
وقال إن إطلاق النار بدأ بعد نحو 10 دقائق من انطلاق الخدمة، مشيرا إلى أنه سمع أصوات عيارات نارية من أسلحة أوتوماتيكية بينها رشاشات من نوع كلاشينكوف، الأمر الذي دفعه إلى مطالبة الموجودين داخل الكنيسة بالانبطاح أرضا، وإغلاق الأبواب لحمايتهم من الرصاص.
Watch on YouTube
وأضاف صويص: "أول شيء قمت به هو أنني طلبت من الموجودين داخل الكنيسة أن يركعوا على الأرض حماية لهم من أي رصاص طائش، وأغلقنا أبواب الكنيسة. ولكن للأسف، الذين كانوا خارجها تعرضوا بشكل كبير للإصابات".
وأوضح الأب ثيودوروس أن المهاجمين أطلقوا النار بصورة عشوائية على المصلين من دون تمييز، ما أدى إلى سقوط قتلى وإصابة آخرين، معربا عن أمله في أن يمنح الله الشفاء للمصابين ويعيد إليهم صحتهم وأن يذكر الضحايا في ملكوته السماوي.
وأشار صويص إلى أن المهاجمين لم يتمكنوا من دخول الكنيسة، مؤكدا أن إغلاق الأبواب المصنوعة من الحديد المصبوب، أسهم في حماية الموجودين داخلها على الرغم من محاولات إطلاق النار عليها واختراقها بالرصاص الحي.
وقال إن إطلاق النار استمر نحو 10 دقائق ووصفه بالكثيف والعشوائي، موضحا أن الرصاص لم يستهدف منطقة محددة بل أُطلق بصورة غير منضبطة، ما عرض الموجودين في محيط الكنيسة للخطر.
صويص: الملك أب للجميع
وفي حديثه عن هوية المهاجمين، قال صويص إنهم لم يكونوا معروفين لدى أبناء المنطقة لافتا إلى أن كاميرات المراقبة داخل الكنيسة أسهمت في كشف أشكالهم، وأنهم تبين أنهم من أصحاب السوابق المعروفين لدى الجهات الأمنية.
وأضاف أن اعتقالهم تم بسرعة على الرغم من صعوبة المهمة؛ بسبب وجودهم داخل مناطق سكنية، مشيدا بكفاءة الأجهزة الأمنية وقدرتها على تنفيذ العملية مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
وفي تعليقه على موقف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي أكد أن أمن الأردنيين خط أحمر، قال الأب صويص إن الملك يمثل أبا لكل الأردنيين وإن آلام المواطنين وأوجاعهم هي ألمه ووجعه، مؤكدا أن المسيحيين ينظرون إليه بوصفه حاميهم والمدافع عنهم في مختلف المواقف والاجتماعات.
وأضاف: "نحن بنعمة ربنا وبوجود جلالة الملك في هذا البلد الآمن المطمئن، بخير وما زلنا بخير"، مشددا على أن حماية كل مواطن على مدار الساعة بواسطة جندي مرافق أمر غير ممكن، وأن وجود خلايا نائمة يفرض التعامل مع التهديدات بجدية.
وطالب صويص، الملك، بمواصلة التصدي لهذه الجماعات بحزم، قائلا: "الذي أطلبه من جلالة سيدنا، الله يطول عمره، أن يضرب بيد من حديد، ويستأصل هذه الآفات الخطرة على مجتمعنا، سواء أكان مسيحيا أم إسلاميا، من جذورها".
وشدد على ضرورة عدم الاعتقاد بأن خطر هذه الجماعات انتهى بمجرد توقيف أفرادها، محذرا من احتمال وجود آخرين يتبنون الأفكار ذاتها، ومؤكدا أهمية حماية المجتمع بأكمله من خطرهم.
ورأى الأب صويص أن الأردن بكل مكوناته، كان المستهدف من الهجوم لا المسيحيين وحدهم، مشيرا إلى أن مسلمين كانوا موجودين في محيط الكنيسة خلال مراسم العزاء، وأن بعضهم تعرضوا للإصابة.
وقال إن الهدف من هذه الاعتداءات يتمثل في إحداث فجوة من العداوة بين المسيحيين وإخوانهم المسلمين، إلى جانب زعزعة أمن البلاد واستقرارها.
الكرك نموذج للتلاحم
واعتبر أن خصوصية الكرك تكمن في عمق التلاحم الإسلامي المسيحي بين أبنائها، مشيرا إلى أن العلاقات بين الطرفين تتجاوز حدود العيش إلى الروابط العائلية والاجتماعية المتجذرة عبر الأجيال.
وأوضح أن من مظاهر هذه العلاقة وجود مسيحيين يحملون أسماء مثل محمد وعمر إلى جانب حالات من الترابط بين العائلات المسلمة والمسيحية بما في ذلك إرضاع الأمهات المسلمات أطفالا مسيحيين، وإرضاع الأمهات المسيحيات أطفالا مسلمين.
وعزا الأب صويص انتشار الأسماء ذات الدلالات الإسلامية بين بعض المسيحيين في الكرك إلى طبيعة الإيمان والعادات الاجتماعية المتوارثة لدى أبناء المحافظة، موضحا أن بعض العائلات كانت تنذر تسمية الطفل باسم محمد إذا رزقها الله بالذرية بعد فترة من الانتظار.
وقال إن هذه الممارسات ليست جديدة على أبناء الكرك، بل تعكس طبيعة العلاقات التي نشأوا عليها منذ الصغر، مستشهدا بالكاهن محمد شرايحة الذي احتفظ باسمه بعد دخوله سلك الكهنوت.
تجار الدين والتطرف
وفي حديثه عن دوافع التطرف، وصف الأب صويص الجهات التي تستغل الدين لتوجيه الآخرين نحو العنف بأنها "تجار الدين"، معتبرا أنهم يغسلون أدمغة أتباعهم ويقنعونهم بأن ما يرتكبونه من أعمال يخدم الدين في حين أن هذه الأفعال تتعارض مع مبادئه.
وأضاف أن بعض هذه الجماعات تستغل الظروف المعيشية الصعبة للأفراد، خصوصا من يعانون الفقر أو البطالة وتغريهم بالمال، ثم تدفعهم إلى الاعتقاد بأن قتل شخص ينتمي إلى ديانة أخرى سيؤدي إلى دخول الجنة.
وشدد على أن هذا الفكر مغلوط ولا يمت إلى تعاليم الإسلام بصلة، قائلا إن الإسلام يقوم على المحبة والسلام واحترام أهل الكتاب، داعيا الشباب إلى عدم السماح لهذه الجهات بالتأثير في أفكارهم أو إقناعهم بممارسات تدمر حياتهم وعائلاتهم.
وأكد الأب صويص أن الإرهاب لا يرتبط بدين بعينه، لكنه أشار إلى أن المتطرفين يستخدمون الدين لتغذية العنف والتحريض، وأن استغلال المعتقدات الدينية لتأجيج الكراهية لا يقتصر على أتباع دين واحد.
وفي تعليقه على زيارة الملك عبد الله الثاني إلى موقع الحدث واطمئنانه على المصابين وزيارة الملكة رانيا وأفراد من العائلة المالكة للعائلات المتضررة، قال إن هذه المواقف تجسد الحنان الأبوي الذي يكنه الملك للأردنيين، وتعكس اهتمام العائلة الهاشمية بأوجاع المواطنين واحتياجاتهم.
وأضاف أن سرعة حضور الملك إلى موقع الحدث ووجوده إلى جانب المصابين يعكسان علاقته بالأردنيين الذين يعتبرونه أبا لهم، مشيرا إلى أن العائلة الهاشمية اعتادت الوقوف إلى جانب كل أردني يتألم أو يمرض أو يحتاج إلى المساعدة.
رسالة التسامح والوحدة
وروى صويص أنه وبصفته كاهنا وأبا روحيا لرعيته، لم يفكر في نفسه عندما بدأ إطلاق النار بل كان همه الأول حماية المصلين الموجودين داخل الكنيسة.
وقال: "أنا ككاهن لهذه الرعية المباركة، ربّنا اختارني حتى أحمل الصليب، وربنا اختارني حتى أكون أبا روحيا لهذه الرعية، والأب أكيد ما بيفكر بنفسه، بيفكر بولاده".
وشدد الأب صويص على أن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، يشكلون نسيجا وطنيا متماسكا لن تنجح الأفكار المتطرفة في تفكيكه، قائلا: "أنتم أبناء الأردن، فلن تقوى عليكم الأفكار الشيطانية ولا كل من يريد أن يسيء لهذه التركيبة الرائعة الموجودة في الأردن الحبيب".
(المشهد)
