معادلة البقاء الصعبة.. حرب إيران تضاعف الضغوط بين البرهان ونفوذ "الإخوان

شاركنا:
الحرب الإيرانية تضاعف كلفة ارتباط البرهان بـ"الإخوان" وإيران (رويترز)
هايلايت
  • الحرب الإيرانية تضيّق هامش المناورة للبرهان في علاقته بـ"الإخوان" وإيران.
  • مراقبون: الحرب تغير طبيعة التحالف بالسودان ليكون ضمن شبكة ردع إقليمية.
  • البرهان يسير على حافة الهاوية بفعل مواقفه المضطربة.

بعثت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بجملة حقائق سياسية وميدانية، وذلك  ضمن نطاقات جيوسياسية محددة كما هو الحال في السودان. وقد تخطت الأخيرة مستوى النزاع المحلي المحدود إلى وقوعها ضمن سياق إقليمي ودولي مأزوم وأكثر تعقيدًا.

ترتيب اضطراري

كما أنّ العلاقة بين قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان و"الإخوان"، ثم ارتباطهما بشبكة ممتدة لإيران، قد كشفت عن سياسات براغماتية. هذه السياسات ورغم ما تحمله من تناقضات واضحة، إلا أنها تبدو وكأنها مناورات تكتيكية لمحاولة التعمية عن المصالح الاستراتيجية ضمن هذه الشبكة، خصوصًا مع اندلاع الحرب.

ووفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإنّ العلاقة البراغماتية بين الجيش السوداني وإيران، تبدو واضحة في سياق الحرب الإيرانية كما قبلها، حيث يظهر التعاون كـ"ترتيب اضطراري" تحكمه الحاجة العملياتية، الأمر الذي يمنح السودان تفوقًا عسكريًا موقتًا عبر المعدات والتقنيات الإيرانية، لكنه يضاعف المخاطر الدبلوماسية والاستراتيجية.

في ظل الحرب الإيرانية، يتحول هذا الارتباط إلى جزء من شبكة "ردع إقليمية"، كما يؤثر داخليًا على توازن القوى، مع إعادة تعريف الصراع كساحة تنافس إقليمي.

وبحسب تحليل لمنصة "هورن ريفيو" المختص بالشأن الإفريقي، فإنّ "الفاعلية العسكرية للجيش السوداني على الأرض، تعتمد بشكل كبير على المعدات الإيرانية، في حين يحاول البرهان شكليًا الابتعاد عن أجندة إيران الإقليمية"، ما يجعل موقفه معقدًا على الصعيدين العسكري والدبلوماسي.

وتقول المصادر ذاتها، إنّ التحول الحاصل بالسودان بفعل الحرب المندلعة في المنطقة، جعل قوى إقليمية عدة تعاود التفكير في موقفها من السودان، حيث لم تعد تتعامل معه باعتباره ساحة نفوذ قابلة للإدارة، بل كملف يتقاطع مع أزمات إقليمية أوسع.

وبقدر ما انصبّ الاهتمام الدولي على التصعيد في الشرق الأوسط، تزايدت أهمية السودان الجيوسياسية، خصوصًا مع تصاعد دور بورتسودان كورقة ضغط مؤثرة.

الجيش السوداني و"الإخوان

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يقول القيادي في حزب الأمة القومي السوداني وعضو التحالف المدني الديمقراطي "صمود" عروة الصادق، إنّ العلاقة البراغماتية بين الجيش السوداني و"الإخوان"، تبدو وكأنها بمثابة ارتباط قائم على "ترتيبات اضطرارية" تحكمها ضرورات الميدان أكثر من كونها "قناعات التحالف الذي يجمع الأضداد"، وهذا النمط من التفاعل يعكس سلوك دولة تبحث عن أدوات بقاء ضمن بيئة مفككة، حيث تتحول الموارد العسكرية إلى مدخل لإعادة تشكيل التموضع السياسي، ويغدو الاعتماد على الدعم الإيراني ضمن معادلة توازن دقيقة بين الحاجة العملياتية وكلفة الارتباط الخارجي، وربما ملاذ آمن لقادة عسكريين ومستقر لمستودعات أسلحة وتصنيع دفاعي، كما حدث إبان فترة المخلوع عمر البشير.

وفي وضع الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تتغير طبيعة هذه العلاقة من مجرد تعاون تكتيكي إلى عنصر ضمن شبكة ردع أوسع، حيث تسعى طهران إلى توسيع نطاق تأثيرها عبر نقاط ارتكاز غير مباشرة، من بينها السودان، وهذا الامتداد يمنح إيران قدرة على توزيع الضغط الجيوسياسي، كما يضع سلطة بورتسودان تحت قيادة البرهان داخل دائرة اشتباك غير مباشر، الأمر الذي يرفع مستوى المخاطر المرتبطة بأيّ انكشاف في هذا الارتباط، سواء على الصعيد العسكري أو الدبلوماسي، حسبما يوضح الصادق.

أما داخليًا فإنّ هذه العلاقة، والحديث للقيادي بحزب الأمة القومي السوداني وعضو تحالف "صمود"، تلقي بظلالها على توازنات النزاع مع قوات الدعم السريع، حيث وفر الدعم الإيراني تفوقًا نوعيًا في بعض مسارح العمليات، خصوصًا عبر تقنيات الطائرات المسيّرة، وهو ما أسهم في إعادة "ضبط موازين القوة داخل الحضر"، وفي المقابل يترتب على هذا التفوق "كلفة سياسية متصاعدة نراها يومًا بعد يوم، إذ يُعاد تعريف الصراع تدريجيًا باعتباره ساحة تنافس إقليمي، ويعقد فرص التسوية الوطنية".

معادلة مركبة

على المستوى الإستراتيجي، يواجه البرهان "معادلة مركبة"، وفق المصدر ذاته، بينما تتطلب الحفاظ على تدفق القدرات العسكرية الذي يشرف عليه قائد الجيش شخصيًا، مع إدارة "خطاب إنكاري سياسي" يحدّ من تداعيات الارتباط بإيران، في بيئة دولية تتجه نحو استقطاب حاد تتصدى لها عناصر الكتائب "الإخوانية" الموالية للبرهان، بتصعيد مواز، وهذه المقاربة تعكس محاولة للحفاظ على هامش مناورة، إلا أنّ هذا الهامش يتآكل تدريجيًا مع تصاعد الحرب الإقليمية، حيث تتقلص المساحات الرمادية التي كانت تتيح تعدد التموضعات.

غير أنّ البرهان في ما يبدو، يجد نفسه محاصرًا بين ضغوط داخلية وخارجية متشابكة، تجعل منه أسيرًا لمجريات الأحداث مع الحرب بإيران، أكثر مما تمنحه قدرة على المناورة، وفق المحامي والحقوقي السوداني طلب الختيم، لافتًا لـ"المشهد" إلى محاولات البرهان المتكررة للحفاظ على علاقة خفية مع إيران، لتأمين خطوط التسليح وإرضاء حلفائه الإسلاميين، بما يتناقض مع تقديم نفسه كحليف للغرب قادر على الالتزام بأجنداته، إلا أنه عمليًا يظهر "عاجزًا عن الوفاء بتعهداته على مستوى السياسات الإستراتيجية".

هذا الموقف المضطرب جعل البرهان يسير على حافة الهاوية، حيث تؤدي التحولات الإقليمية والدولية إلى تراجع تأثيره تدريجيًا، بحسب الختيم، وقد تراجعت العلاقة الدافئة بين الخرطوم والرياض كما أطراف إقليمية أخرى، بعد انكشاف المواقف الحقيقية "للإخوان" من طهران، في حين يفرض التصنيف الأميركي للجماعة في السودان على الدول الإقليمية إعادة تقييم علاقتها بالقائد السوداني.

وفي ظل هذه المعادلات، يبدو أنّ التحدي الأكبر أمام البرهان، يتمثل في كيفية التعامل مع النفوذ الكبير "للإخوان" داخل المؤسسات العسكرية والأمنية، في وقت تعجز فيه قيادته عن اتخاذ خطوات حاسمة لمحاصرة هذا النفوذ الإسلاموي، خشية ردود الفعل الدولية. كل هذه العوامل تجعل فرصه في اللعب على "حبال المساومة ضئيلة"، على حد توصيف المحامي والحقوقي السوداني.

وختم حديثه قائلًا: "يبدو أنّ الطريق الوحيد المتاح له (أي البرهان) يتمثل في اتخاذ قرارات شجاعة لوقف الحرب، وتنقية مؤسسات الدولة من نفوذ "الإخوان"، وإلا فإنّ قدرته على قيادة السودان ستظل مهددة، وربما يغرق هو قبل أن يغرق "الإخوان"".

الواجهة العسكرية لـ"الإخوان"

يتفق والرأي ذاته الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد، والذي يقول لـ"المشهد"، إنّ التطورات الأخيرة تؤكد أنّ البرهان يمثل "الواجهة العسكرية" لجماعة "الإخوان" في السودان، التي تخفي خلفه أدوات التحكم والسيطرة، بينما تمنح له مساحة محسوبة للتعاطي السياسي مع الخارج والمجتمع الدولي.

وتابع: "تُدار العلاقة بين البرهان و"الإخوان" وفق توازن دقيق بين التكتيكي والإستراتيجي؛ فـ"الإخوان" يسيطرون على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية وحتى الفضاء العام، ويضعون الأطر الإستراتيجية التي يصعب تجاوزها، بينما يضطلع البرهان بالدور التكتيكي عبر الاستفادة من الاعتراف الدبلوماسي النسبي لإدارة المواقف مع الغرب".

في سياق الحرب ضد إيران وتصنيف "الإخوان" تنظيمًا إرهابيًا عالميًا، انكشفت طبيعة هذه العلاقة، وأصبح هامش المناورة للبرهان محدودًا، مع فرض الولايات المتحدة لالتزامات واضحة عليه. ومع ذلك، سيظل الجيش والبرهان يتحملون تبعات المواقف التكتيكية التي اتخذها "الإخوان"، والتي جرّت السودان إلى صراعات شاملة وأظهرت هشاشة المساحات التي كان يتحرك فيها قائد الجيش سابقًا، حسبما يوضح الكاتب والمحلل السياسي السوداني. 

(المشهد)