"الإخوان" في بريطانيا.. لماذا تتعثر القطيعة مع الإسلام السياسي؟

آخر تحديث:

شاركنا:
استقطابات سياسية في لندن تمنح شبكات الإسلام السياسي هامشًا للحركة
هايلايت
  • بريطانيا لا تزال غير حاسمة في موقفها النهائي للقطيعة مع الإسلاموية.
  • مراقبون: تباينات سياسية واستقطابات براغماتية داخل الحكومة البريطانية تؤثر على إمكانية حظر "الإخوان".
  • استمرار الخلاف بشأن كيفية تعريف التهديد المرتبط بالإسلاموية يتيح فرصًا لانبعاث الإسلام السياسي.

رغم المخاوف المتنامية في أوروبا بشأن تغلغل نفوذ "الإخوان"، وتوغلهم في المجتمع المدني، والاستدارة نحو مقاربة شمولية بين دول التكتل لتقويض شبكات الإسلام السياسي، إلا أن بريطانيا، التي تضاعفت فيها حوادث الإرهاب بحق المدنيين واليهود منذ ما بعد 7 أكتوبر 2023 بفعل الخطاب التعبوي الأصولي والمتشدد، لا تزال غير حاسمة في موقفها النهائي للقطيعة مع الإسلاموية.

تباينات سياسية

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن هناك تباينات سياسية واستقطابات براغماتية داخل الحكومة البريطانية، بما يؤدي لصدام مع المطالبات البرلمانية بشأن ضرورة مواجهة تهديدات "الإخوان"، ووضع حد لنفوذهم والتصدي لمخاطرهم.

وقد أوضحت المصادر ذاتها، أن استمرار الخلاف بشأن كيفية تعريف التهديد المرتبط بالإسلاموية كما هو الحال في لندن ومدى مطابقته على "الإخوان" أو المؤسسات المتهمة بوجود صلات تنظيمية وبنيوية معه، خفية أو معلنة، يتيح فرصًا لانبعاث الإسلام السياسي بشبكاته المختلفة.

عنف شديد

وقد شهدت بريطانيا تصاعدًا في حوادث معاداة السامية منذ هجمات "حماس" المباغتة على إسرائيل، إذ تجاوز عدد الحوادث المسجلة 11,300 واقعة حتى مايو 2026، وفق بيانات "صندوق أمن المجتمع" (CST) التي عُرضت أمام البرلمان البريطاني.

كما سجل الصندوق نحو 3,700 حادثة خلال عام 2025 وحده، بينها 174 اعتداءً جسديًا وحالة عنف شديد. وعلى مستوى أوروبا، رصد المركز الدولي لمكافحة الإرهاب هجمات استهدفت يهودًا ومدنيين، من بينها الهجوم على كنيس "هيتون بارك" في مانشستر في أكتوبر العام الماضي، الذي أسفر عن مقتل شخصين، وهجوم طعن قرب النصب التذكاري للمحرقة في برلين في فبراير من العام نفسه.

أنشطة "الإخوان"

في حديثه لمنصة "المشهد" يقول الأكاديمي المصري المختص في شؤون الإسلام السياسي سامح إسماعيل، إن النائب المحافظ جيمس كليفرلي طرح تساؤلًا بشأن التقييم الحكومي المحتمل لتأثير أنشطة "الإخوان" على التماسك المجتمعي والاندماج في سبتمبر الماضي، إلا أن الحكومة عقبت بأن وزارة الداخلية تتولى، منذ عام 2024، مسؤولية تقييم مشهد التهديدات المرتبطة بالتطرف، الأمر الذي يؤشر إلى التباينات بين الحكومة والبرلمان، بما يمنح الإسلام السياسي هوامش لاستمرار العمل والحركة بفعل عدم الاستقرار على مقاربة نهائية في ظل الاستقطابات وتباعد وجهات النظر.

وتابع: "موقف الحكومة البريطانية، بخلاف الخطوات التي تتخذها عدة عواصم أوروبية مثل فرنسا، يؤخر عملية تصنيف الإخوان على قوائم الإرهاب أو حظر نشاطاتها المشبوهة". ويشير الأكاديمي المصري المختص في شؤون الإسلام السياسي إلى أن هناك عدة ضغوط على بريطانيا بشأن ضرورة حظر أنشطة الجماعة الأم للإسلام السياسي، خصوصًا بعد التحركات القصوى التي تلتزم بها دول التكتل والولايات المتحدة.

انتقادات متزايدة

وألمح إسماعيل إلى الموقف الذي تعرض له الناشط المتطرف أنس التكريتي الذي يحمل الجنسية البريطانية، عندما رفضت كندا دخوله إلى أراضيها في مايو الماضي، على خلفية ارتباطاته التنظيمية بـ"الإخوان"، وهو "أحد المسؤولين عن جمعية مسلمي بريطانيا".

وليس خافيًا أن هناك انتقادات متزايدة للحكومة البريطانية بفعل مواقفها المهادنة تجاه "الإخوان"، ومنها موقف وزيرة الداخلية السابقة والقيادية في حزب "ريفورم يو كيه" سويلا برافرمان التي اعتبرت، قبل أيام، موقف الحكومة به قصور فادح سبق أن تورطت فيه حكومات سابقة، وطالبت بضرورة حظر "الإخوان"، معتبرة أن التعامل معها ينبغي أن يكون أكثر تشددًا.

بل اتهمت برافرمان في لقاء مع "جيروزاليم بوست" القيادات السياسية البريطانية بالتساهل مع الإسلاموية والتطرف، وانتقدت خصوصًا المحافظين الذين حكموا البلاد 14 عامًا، مؤكدة أن المشكلة تفاقمت خلال فترة حكمهم.

4 خصوصيات رئيسة 

إلى ذلك، يرى المفكر المغربي المتخصص في شؤون الدين والتطرف سعيد ناشيد أن بريطانيا تبدو أكثر تحفظًا، مقارنة بعدد من الدول الأوروبية، في التعامل مع ملف تصنيف "الإخوان" والتنظيمات المرتبطة بها، مرجعًا ذلك إلى 4 خصوصيات رئيسة.

وأوضح ناشيد، في تصريحات لمنصة "المشهد":

  • العامل الأول يتمثل في "الخصوصية القانونية"، حيث إن بريطانيا، رغم عدم امتلاكها دستورًا مدونًا في وثيقة واحدة، تعتمد على منظومة قانونية لها شروطها وإجراءاتها الخاصة في التعامل مع هذه التنظيمات. وفي المقابل، تستند ألمانيا إلى مفهوم "الديمقراطية المحصنة"، الذي يتيح للدولة اتخاذ إجراءات لحظر الجماعات التي تهدد النظام الديمقراطي، بينما تعتمد فرنسا على أدوات قانونية تستهدف حماية العلمانية والوحدة الجمهورية.
  • العامل الثاني يرتبط بـ"الخصوصية الاجتماعية"، إذ إن نهج التعددية الثقافية في بريطانيا تعامل تاريخيًا مع المسلمين باعتبارهم جماعة لها ممثلون وهيئات تتحدث باسمها، وهو ما أتاح  نشوء مؤسسات وشبكات مرتبطة بـ"الإخوان" أو متحدرة منها، يصعب تفكيكها نظرًا إلى تشابك علاقاتها الاجتماعية والتنظيمية.

  •  العامل الثالث هو "المقاربة الأمنية البريطانية"، خصوصًا مع وجود تصور تلفيقي لدى بعض الأوساط الأمنية يرى أن التيارات الإسلاموية غير العنيفة قد تشكل حاجزًا أمام انتقال بعض الأفراد إلى التنظيمات الأكثر عنفًا، وهو تصور تعزز النقاش بشأنه عقب تفجيرات لندن عام 2005. وهذا المنظور المبتسر قد يفسر جانبًا من التحفظ تجاه اتخاذ إجراءات شاملة ضد مختلف التيارات والتنظيمات الإسلامية.

  • العامل الرابع هو  "الخصوصية التاريخية والسياسية"، وقد أسهمت العلاقات التي تشكلت تاريخيًا بين بعض مؤسسات الدولة البريطانية وشبكات مرتبطة بـ"الإخوان"، في سياقات إقليمية واستعمارية مختلفة، في تعقيد التعامل مع الجماعة، بينما ربط ذلك بمحاولات توظيف هذه العلاقات في دعم مشاريع سياسية وأمنية في المنطقة.

وخلص المفكر المغربي المتخصص في شؤون التطرف والدين إلى أن التحفظ البريطاني لا يرتبط بعامل منفرد، بل بتداخل اعتبارات قانونية واجتماعية وأمنية وتاريخية، تجعل التعامل مع "الإخوان" أكثر تعقيدًا من مجرد اتخاذ قرار بالتصنيف أو الحظر.  

(المشهد)