"مضيق هرمز" لا يزال هذا الممر الملاحي الدولي يتصدر مشهد التوتر المشتعل في الشرق الأوسط، نتيجة إصرار إيران على استخدامه كورقة ضغط في الحرب التي تُشن عليها من قبل الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وهو ما أحدث إرباكًا وزعزعة غير مسبوقة في حركة الاقتصاد العالمي.
وفي خضمّ التصعيد المتواصل داخل أهم نقطة حساسة في بنية الاقتصاد العالمي "مضيق هرمز"، خصوصًا مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، عقب فشل مفاوضات إنهاء الحرب التي أُجريت في باكستان بين طهران وواشنطن، اختارت أوروبا مسارًا موازيًا بعيدًا عن المواجهة وعن الانصياع معًا.
هذا المسار بات واضحًا في التحرك الذي تقوده فرنسا وبريطانيا مؤخرًا، من أجل تشكيل تحالف دولي لتسهيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعيدًا عن الولايات المتحدة، من دون الإعلان حتى الآن عن أيّ ملامح لهذا التحالف، وهو ما أعقبه تساؤلات عدة حول مدى نجاح الأوربيين في تحقيق هذه الخطوة من عدمها.
معارضة أوروبية
ومن المقرر أن تنظّم فرنسا وبريطانيا غدًا الجمعة من باريس، اجتماعًا عبر الاتصال المرئي للدول غير المنخرطة في القتال، والجاهزة للمساهمة في مهمة متعددة الأطراف ودفاعية بحتة في مضيق هرمز، وفقًا لما أعلن عنه قصر الإليزيه، للبحث في هذه المهمة التي لم تتضح ملامحها بعد.
وحول هذا الأمر يقول المتخصص في الشؤون الأميركية ومساعد رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية بجريدة الأهرام المصرية الدكتور عمرو عبد العاطي، في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، إنّ هناك العديد من الأبعاد التي دفعت قادة أوروبا إلى التفكير في تشكيل تحالف دولي في ما يتعلق بأزمة مضيق هرمز، فهناك معارضة أوروبية قوية للخطوة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية في هذا الشأن، وهو ما دفع الأوروبيين للبحث عن حلول وبدائل أخرى للتصعيد الأميركي، لأنهم يعتقدون أنّ دونالد ترامب اتخذ قرار الحرب من دون الرجوع إلى الشرعية الدولية، ومن دون التباحث مع حلفائه حول هذا القرار.
وذكر أنّ من أبرز الدوافع التي أجبرت أوروبا على المضيّ في مسار الدبلوماسية بعيدًا عن أيّ تصعيد عسكري برفقة الولايات المتحدة الأميركية الآتي:
- هناك رفض أوروبي لنهج الولايات المتحدة الأميركية للتعامل العسكري أو التعامل الانفرادي، وبالتالي ترى أوروبا أنّ على أميركا تحمّل تكاليف الخطوة العسكرية التي أقدمت عليها في إيران بدون الرجوع إلى الحلفاء.
- التدخل العسكري الأميركي لم يحل الأزمة، بل ساعد في تعقيدها، وهو ما برز جليًا في غلق مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل هذا التدخل العسكري.
- انخراط أوروبا عسكريًا في هذا الصراع، سيؤدي إلى استنزافها ومن ثم سيحقق مكاسب كبيرة للجانب الروسي، إضافة إلى وجود خلل في الأمن الأوروبي.
- وجود أزمات اقتصادية طاحنة يعاني منها الداخل الأوروبي، وبالتالي فأيّ تصعيد في العمل العسكري، ستكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد العالمي، وسينعكس هذا بشكل مباشر على الجانب الأوروبي.
عقبات كبيرة
وفي ما يتعلق بمدى نجاح الخطوة التي يسعى إليها الأوروبيون من عدمها، في تشكيل تحالف دولي لحلحلة أزمة مضيق هرمز المتفاقمة، أكد عبد العاطي أنّ النجاح أو الإخفاق لتلك الخطوة، سيكون مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالولايات المتحدة الأميركية، مستبعدًا في الوقت نفسه، قدرة القوى الأوروبية على تنفيذ هذه الخطوة.
وأكد أنها لن تستطيع بمفردها تحقيق ذلك، في ظل عدم تمرير قرار من مجلس الأمن الدولي، لأنّ الولايات المتحدة لديها حق الفيتو، وبالتالي لن تستطيع الدول العربية منفردة في التعامل مع أزمة مضيق هرمز.
واعتقد بأنّ "هذه الخطوة سوف تفشل، لأنّ ورقة المضيق قوية للغاية في يد إيران، واستمرارها معها سَتُرغم الولايات المتحدة على أيّ مكاسب، وبالتالي فإنّ إيران لن تتحالف مع الأوروبيين في فتح المضيق من دون تحقيق المكاسب التي تنشدها، وهذه المكاسب ليست بيد أوروبا، بل لدى أميركا".
وتساءل، "هل لدى الأوروبيين أدوات ضغط على واشنطن للقبول بالشروط الإيرانية؟ وهل سوف تقبل الولايات المتحدة عن طريق القوى الأوروبية، تقديم المكاسب لإيران؟"، مؤكدًا في الوقت ذاته، أنّ إدارة البيت الأبيض لن تقبل بإعطاء إيران ما تتطلبه من أجل فتح مضيق هرمز، مشيرًا إلى أنّ حلحلة أزمة مضيق هرمز ليست مرتبطة بالقوى الأوروبية، بل مرتبطة بطرفي الصراع الرئيسيّين، وهما واشنطن وطهران.
رغبة في الاستقلال
وبدوره وصف مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية هاني سليمان، في حديثه لمنصة "المشهد"، المحاولة الأوروبية التي تقودها فرنسا وبريطانيا لتشكيل تحالف للدول غير المتحاربة، لاستعادة الملاحة في مضيق هرمز، بالشديدة الأهمية ولها العديد من الدلالات، والتي من بينها إدراك الجانب الأوروبي أنه من المهم البحث عن تأمين مصالحه بشكل مستقل عن الولايات المتحدة الأميركية، وخصوصًا في ظل تباعد المسافات ووجود فجوة في العلاقات بين الجانبين خلال الفترة الأخيرة.
وأرجع سليمان ذلك إلى عدم الاستجابة الأوروبية لمطالب ترامب في ما يتعلق بالحرب على إيران، مشيرًا إلى أنه من الواضح أنّ الدول الأوروبية باتت لديها رغبة في الاستقلال عن السياسات الأميركية، من خلال تبنّي سياسات أكثر تحررًا من هذه التبعية التاريخية، وخصوصًا في ظل ترسخ العديد من الخلافات بينهم في الفترة الماضية.
ولفت إلى أنّ أوروبا ارتأت أنها غير معنية بالدخول في توافقات عسكرية مع الجانب الأميركي في ما يتعلق بتحرير مضيق هرمز، لأنها تدرك أنّ هذه الحرب ليست حربها، بل هي حرب أميركية إسرائيلية، وإن كانت تخصّ نتانياهو في المقام الأول، وبالتالي فهي لن تنخرط في هذه الحرب بما لها من تداعيات شديدة الخطورة عليها، موضحًا أنّ أوروبا مطالبة بالبحث عن مصالحها بتحرير المضيق، والبحث عن آلية لحماية سفنها التجارية بعيدًا عن التحركات الأميركية.
ويرى سليمان أنّ التحرك الفرنسي البريطاني قائم على فكرة استعادة الأدوار التاريخية، على اعتبار أنّ القرون الماضية كان هناك تفوّق بحري بريطاني فرنسي، وبالتالي، فإنّ استعادة هذا الدور في التوقيت الحالي، بمثابة رسالة موجهة إلى الجانبين الأميركي والإيراني، على اعتبار أنّ هذه الدول معنية بحماية مصالح وتجارة الدول الأوروبية، لأنها الأكثر تضررًا خلال الآونة الأخيرة، وبالتالي فإنّ الأوروبيين سيحاولون البحث عن هذا المسار بعيدًا عن مسألة الحرب أو المواجهات.
وتوقّع بأنّ شكل التحالف الذي تسعى إليه أوروبا، سيكون تحركًا عسكريًا بالأساس، وقد يكون مصحوبًا ببعض التحركات والتفاهمات الدبلوماسية، وربما يكون مُحاطًا بقدر من عدم اليقين، وتكون هناك فرصة لتحويل مضيق هرمز إلى مساحة من الصراع، ومن الممكن أن يصطدم هذا التحالف ببعض التحركات الإيرانية.
وأكد أنّ هذا التحالف سيكون أفضل وأكثر واقعية في فترة ما بعد انتهاء الحرب، أما في التوقيت الحالي فسيكون مشوبًا بنوع من الغموض وغياب الآليات، وقد يصطدم بالتطلعات الإيرانية بشكل كبير.
صدام مصالح
وحول عن ما إذا كان هذا التحالف التي تسعى إليه أوروبا سيؤدي إلى خلافات مع الجانب الأميركي، أوضح عبد العاطي أنّ هذا التحرك لن يُغيّر شيئًا في طبيعة العلاقات بين الجانين، لأنّ هناك توترات قائمة بالفعل بينهم، لكنّ الأمر سيتعلق بمدى نجاح القوى الأوروبية في إعادة فتح مضيق هرمز، فإذا نجحت هذه القوى في فتح المضيق، فإنّ هذا الأمر سيحقق مصلحة للولايات المتحدة الأميركية، والتي ستكون نجحت في حل أزمة المضيق بدون عمل عسكري وبدون تصعيد، وبالتالي ستكون هذه الخطوة مدخلًا لتحسين وتوطيد العلاقات الأوروبية الأميركية وإزالة الخلافات بينهم.
وأشار إلى أنّ التوتر من الممكن أن يحدث ويستمر في ظل إصرار الرغبة الأميركية باستمرار العمل العسكري، في ظل رغبة أوروبية بضرورة أن يكون هناك تفاوض وعمل دبلوماسي بعيدًا عن أيّ تصعيد.
لكنّ مدير المركز العربي للدراسات والبحوث الإستراتيجية الدكتور هاني سليمان، يرى أنه في حال نجاح خطوة تشكيل هذا التحالف، فإنّ هذه الخطوة ستخلق مساحة للصدام الكبير ما بين الأوروبيين والأميركيين، لأنّ هناك اختلافًا واضحًا في مصالح وأهداف كلا الطرفين، وبالتالي سيكون هناك مساحه للمناوشات والتنافس في مضيق هرمز أو المياه الاقليمية وفي البحار، وهذا من شأنه أن يُعمّق أكثر الفجوة الموجودة بين الطرفين، لأنّ خروج الجانب الأوروبي عن العملية الأميركية سيكون سابقة أوروبية، وسيعلن عن بدء مرحلة جديدة في موازين القوى، وسيكون خطوة مهمة في استقلال القرار الأوروبي.
(المشهد)