لم تعد احتجاجات الثانويات الفرنسية شأناً مدرسياً، ما بدأ قبل أسابيع بمطالب تتصل بالصّفوف المكتظة والمباني المتهالكة ونقص الأساتذة، تحوّل إلى حراك يهزّ البلاد.
يوم الثلاثاء نزل إلى الشوارع 266 ألف متظاهر وفق وزارة الداخلية، و450 ألفاً وفق المنظمين، وأُوقف 488 شخصاً في يوم واحد.
وأمام اتساع الحراك، أُغلقت نحو 500 مؤسسة تعليمية بقرار من مديريات التعليم، مع تحويل الدروس إلى التعليم عن بُعد، فيما أغلقت جامعات عدة بعض مواقعها احتياطاً. ومنعت السلطات التجمعات في محيط المؤسسات المغلقة. والأربعاء، أعلن وزير الداخلية لوران نونييز تعليق استخدام القنابل الصوتية في مواجهة الحراك، بعدما فقد مراهق في الخامسة عشرة يده في مدينة لانس.
وبين حكومة تتهم أقصى اليسار بتحريك الشارع، ونقابات تتحدث عن مطالب حقيقية وقمع غير مسبوق، يبقى السؤال: من يستفيد من غضب تلاميذ فرنسا؟
"المشهد" جالت على الاحتجاجات في باريس، واستمعت إلى آراء المحتجين ومعارضيهم.
"مايو 68 القرن الحادي والعشرين"
الطالب عدلان مهدي مداسي يلخّص المطالب بـ3 كلمات: "نعم، نطالب بالحق في الغذاء، نعم، نطالب بالحق في السكن، نعم، نطالب بالحق في التعلّم". ولا يقف عند حدود الجامعة: "ندعو جميع الطلاب وجميع العمال وجميع الأجراء إلى أن يجعلوا من أكتوبر 2026 مايو 68 القرن الحادي والعشرين".
"سياسات تمثّل عاراً على تاريخ فرنسا"
بدر قوجا، طالب الحقوق في جامعة باريس سيتي وعضو "الاتحاد الطلابي"، يذهب بالمطالب أبعد من المدرسة، ويتوجه إلى الحكومة مباشرة: "يجب عليكم التغيير، يجب عليكم التقليل من السياسات العنصرية التي لا تُقبل، والتي تمثّل عاراً على تاريخ فرنسا ودولتها وحكومتها وكل مؤسساتها".
"حدٌّ أدنى من العنف كي يُسمَع صوتنا"
الطالب حكيم طنبيب لا ينكر أعمال العنف، ولا يدينها تماماً: "ليس ذلك مقبولاً بالضرورة، لكن لم يتحقق أي مكسب اجتماعي باللين". ويشرح: "الحكومة تعلم أننا غير موافقين، وتعلم أن هناك مشكلة، وتعلم أن هناك استطلاعات رأي، ومع ذلك لا تصغي إلينا". ثم يتوجه إلى الصحافة نفسها: "يا للمصادفة، العنف وحده يجعلكم تطرحون عليّ هذه الأسئلة". وخلاصته: "لا بدّ من حدٍّ أدنى من العنف كي يُسمَع صوتنا، وإلا فإنهم يتجاهلوننا".
"مع المطالب، لكن بطريقة سلمية"
رأيٌ لا يشاركه فيه كل الطلاب. سارة، طالبة في السنة الأولى حقوق، تفصل بين المطلب والوسيلة: "أنا لست ضدّ مبدأ المطالبة بالحقوق، لكنني مع أن تُرفع هذه المطالب بطريقة سلمية". وعمّا إذا كانت ترى أن هذه التحركات مسيّسة، تجيب: "لا أعتقد ذلك حتى الساعة، لكن لننتظر أن تتبلور الصورة لنرى بشكل أوضح". وتشدّد على أن التكسير والعنف "أمور مرفوضة، ولا يجب أن نعتبرها طبيعية".
مديرو المدارس: "غرباء يدفعون نحو التطرف"
أمام بوابات المؤسسات، يرى المديرون مشهداً مختلفاً. أوليفييه بوفرير، مدير ثانوية والأمين الوطني لنقابة مديري المؤسسات التعليمية، يفرّق بين التلاميذ ومن ينضم إليهم: "إنهم فعلاً أشخاص من خارج المدارس يأتون، فيزيدون التوتر عند إغلاق المؤسسات، بل يكادون يدفعونه نحو التطرف في بعض الحالات".
أولويته واضحة: "ما نتمناه حقاً هو أن يعود تلاميذنا إلى مدارسهم، وأن نأخذ الوقت الكافي للاستماع إلى مطالبهم ورفعها إلى الجهات المعنية". أما المقارنة بالتاريخ فيتحفظ عليها: "مايو 68؟ ربما ما زال الحديث عنه متسرعاً بعض الشيء".
أبعد من أسوار المدرسة
لا يأتي غضب التلاميذ من فراغ. فقبلهم أغلق الصيادون الموانئ احتجاجاً على سعر الوقود، وبعدهم انضم المعلمون وموظفو القطاع العام رفضاً لتجميد الأجور. وترى صحيفة "نيويورك تايمز" أن لهذه الأزمات جذراً واحداً: صعوبة تمويل الدولة الفرنسية لنموذجها الاجتماعي، في ظل دَين يتجاوز حجم الاقتصاد. أما سياسياً، فتحذّر الصحيفة من أن اجتماع الأزمة الاقتصادية والاضطراب في الشارع قد يصبّ في مصلحة أقصى اليمين وأقصى اليسار معاً، قبل أشهر من انتخابات رئاسية تتصدر استطلاعاتها مارين لوبان.
غضبٌ حقيقي في الصفوف، ونارٌ في الشوارع. بين التلميذ الذي يطالب، والغريب الذي يحرق، والسياسي الذي ينتظر، سؤالٌ واحد ما زال بلا جواب: من يستفيد؟
(المشهد - فرنسا)
