وفي مدن عدة، يجتمع الشبان والشابات لساعات بحسب التقرير، يتحدثون ويدخنون ويتبادلون الأحاديث، فيما تمتد بعض التجمعات إلى الأرصفة أمام المقاهي.
حملة إغلاق واسعة
وتكتسب هذه المشاهد حساسية خاصة في إيران بحسب التقرير، حيث تجلس النساء والرجال معا من دون الفصل التقليدي، وتظهر بعض النساء من دون حجاب، فيما تقدم بعض المقاهي الكحول بصورة سرية، رغم أن هذه الممارسات مخالفة للقوانين الإيرانية.
وأصبحت هذه الأماكن بذلك مساحة اجتماعية تعكس تغيرا متسارعا في أنماط الحياة، وتحديا غير مباشر للقيود التي تفرضها السلطات على المجال العام.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أغلقت الشرطة عشرات المقاهي في مدن مختلفة بحسب التقرير، إضافة إلى مطاعم ومتاجر، مستندة إلى أسباب متعددة، أبرزها عدم الالتزام بقانون الحجاب الإلزامي.
وأعيد فتح بعض المنشآت لاحقا، لكن أصحاب المقاهي والعاملين فيها يقولون إن الحملة، تركت أثرا واضحا على قطاع يعتمد عليه كثير من الشباب للحصول على مصدر دخل.
ويرى خبراء في التقرير، أن المقاهي أصبحت جزءا من مساحة اجتماعية يصعب على السلطات السيطرة عليها بالكامل، خصوصا منذ الاحتجاجات التي اندلعت في يناير؛ بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، وقوبلت بقمع دام.
تجمعات تقلق النظام
ومع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران من دون حسم، كثفت السلطات أيضا تنظيم تجمعات ليلية مؤيدة للحكومة، بهدف إظهار الدعم الشعبي وردع المعارضين عن الاحتجاج.
وقال أمير وهو صاحب مقهى في طهران للصحيفة، إن السلطات تستهدف خصوصا المقاهي المتجاورة التي تتجمع أمامها أعداد كبيرة من الزبائن، وأوضح أن مساحة المقاهي الصغيرة تدفع الزبائن إلى الجلوس على الأرصفة، ما يحولها إلى تجمعات عفوية تثير حذر السلطات.
وقال صاحب المقهى، الذي سبق أن أغلقت السلطات منشأته، إن ما يحدث يبدو وكأنه حملة للسيطرة على إيران بعد الحرب، في مجتمع يعاني الاستياء والضغوط، مضيفا أن أصحاب المقاهي اعتادوا التعامل مع الإغلاقات باعتبارها موجات مؤقتة.
وقالت مونا وهي فنانة من طهران إن إغلاق المقاهي، يرتبط بالتجمعات التي تتشكل أمامها خلال ساعات بعد الظهر، وأضافت أن السلطات تبدو وكأنها تتعامل مع هذه التجمعات باعتبارها احتجاجات محتملة، رغم أنها تضم شبانا وشابات يمضون وقتهم معا.
"عدم احترام القيم"
وقدمت السلطات تفسيرات مختلفة لعمليات الإغلاق، بينها مخالفات تنظيمية وعدم الالتزام بالقواعد المتعلقة بالحجاب، إضافة إلى ما وصفته بـ"السلوك الاجتماعي والأخلاقي غير الملائم" و"عدم احترام القيم الإسلامية" و"خرق الأعراف".
وقال سكان في طهران بحسب التقرير، إن بعض المقاهي في وسط العاصمة معروفة بتقديم البيرة سرا، فيما يعاقب القانون الإيراني على استهلاك الكحول بالجلد.
وترى الباحثة هاله مير ميري المتخصصة في ثقافة المقاهي الإيرانية، أن هذه الأماكن توفر متنفسا من القيود الأسرية والاجتماعية، كما تمنح الشباب فرصة لتصور أنماط مختلفة للحياة.
واعتبرت في التقرير، أن ذلك يمثل تحديا لطبيعة النظام الذي يسعى إلى فرض نمط موحد على المجتمع.
وتأتي الحملة في وقت شهد فيه المجتمع الإيراني تغيرات اجتماعية كبيرة خلال السنوات الأربع الماضية، ففي 2022، أثار تشدد السلطات في تطبيق قانون الحجاب الإلزامي، احتجاجات واسعة عرفت باسم حركة "المرأة، الحياة، الحرية"، بعد وفاة مهسا أميني، البالغة 22 عاما، أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق.
ومنذ ذلك الحين، أصبح ظهور النساء في الأماكن العامة من دون حجاب أكثر شيوعا، إلى جانب انتشار ملابس كانت تعد مخالفة للأعراف الرسمية.
"شعور باليأس"
ويبدو بحسب التقرير، أن حكومة الرئيس مسعود بزشكيان تجنبت إلى حد كبير اعتقال النساء بصورة مباشرة؛ بسبب عدم ارتداء الحجاب، مع تحذير مسؤولين من أن التطبيق الصارم للقانون، قد يؤدي إلى موجة جديدة من الاحتجاجات.
وبدلا من ذلك، تضغط السلطات على أصحاب الأعمال لفرض القواعد بأنفسهم، بما في ذلك إغلاق المنشآت التي لا تلتزم بها.
وقال المحامي المتخصص في حقوق الإنسان أميد شمس إن السلطات، تسعى دوريا إلى تذكير المجتمع بأن الحجاب لا يزال قضية أساسية، في ظل ضغوط من رجال الدين والتيارات المحافظة.
ولا تقتصر تداعيات الإغلاق على الجانب الاجتماعي بحسب التقرير، إذ يخسر العاملون الشباب مصادر دخلهم، بينما تستمر الإيجارات والنفقات، وتتضرر أيضا شبكات محامص القهوة والموردين المرتبطين بالقطاع.
وقال رضا وهو عامل في مقهى بطهران، إن الشباب كانوا ينظرون إلى العمل في المقاهي باعتباره خيارا متاحا حتى لمن يعجزون عن العثور على وظائف أخرى، مضيفا أن هذا الخيار بدأ يختفي بدوره.
أما مونا، فقالت للصحيفة، إن كل خبر عن إغلاق مقهى يترك لديها شعورا باليأس، لأن ذلك يوحي، رغم التغيرات العميقة في المجتمع، بأن السلطات لا تزال مصممة على مواصلة فرض سيطرتها على تفاصيل الحياة اليومية.
(ترجمات)
