وصل المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق توم براك، إلى بغداد يوم أمس الإثنين، للقاء رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، في زيارة خاصة وصفها مراقبون بأنها تعكس اهتمام واشنطن بالملف الأمني والسياسي العراقي من جهة، ورغبتها بإنهاء ملف الفصائل العراقية المسلحة من جهة أخرى، و تمهيداً لزيارة مرتقبة للزيدي إلى البيت الأبيض منتصف يوليو القادم.
وكتب براك عبر منصة "إكس": "يسعدني ويشرفني أن أعود مجدداً إلى بغداد، وألتقي بفريق السفارة الأميركية بقيادة القائم بالأعمال جوشوا هاريس، والاجتماع برئيس الوزراء علي الزيدي لنقل دعم الرئيس ترامب لحكومته ومناقشة شراكتنا في إطار توجه جديد نحو بناء علاقة أميركية عراقية مُثمرة".
وجاءت زيارة براك في وقت تسعى فيه الكتل السياسية العراقية إلى توزيع الوزرات فيما بينها، لاستكمال حكومة الزيدي، الذي أدلى اليمين الدستوري على رأس حكومة غير مكتملة، لكنها في الوقت ذاته الأقل تمثيلاً للفصائل العراقية المسلحة مقارنة بالحكومات السابقة، وذلك نتيجة للضغط الأميركي على بغداد لحصر السلاح بيد الدولة ولإنتاج حكومة عراقية خالية من الأجنحة السياسية التابعة للفصائل المسلحة.
ووفقاً لنتائج الانتخابات الحكومية العراقية نهاية العام 2025، حصلت الأجنحة السياسية التابعة للفصائل المسلحة على العديد من المقاعد في البرلمان العراقي، وفي مقدمتها "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي 28 مقعداً، ثم منظمة "بدر" بزعامة هادي العامري 18 مقعداً، ثم "كتائب حزب الله العراقي" 6 مقاعد.
ورغم أن الخزعلي أعلن استعداده لتسليم السلاح والانخراط في العمل السياسي، إلا أنّ العديد من الفصائل الأخرى رفضت تسليم سلاحها، في حين أعلنت الولايات المتحدة الأميركية رفضها التام لمشاركة هذه الفصائل في الحكومة العراقية حتى بعد تسليم السلاح، ما عقّد استكمال الكابينة الوزارية لحكومة الزيدي ودفع بتوم براك مجدداً إلى بغداد.
كيف يهندس براك حكومة الزيدي؟
وفي سياق متصل، صرّح مصدر خاص لمنصة "المشهد" أن الزيدي وبراك اتفقا على الإطار العام لاستكمال الكابينة الحكومية التي سترى النور خلال الأيام القادمة، وتم التوافق على منح "ائتلاف دولة القانون" بزعامة نوري المالكي وزارة واحدة فقط بدلاً من وزارتين وهي وزارة التعليم العالي.
أما وزارة الداخلية والدفاع ستتبعان للزيدي، حيث ستختار قوى الإطار التنسيقي شخصيّة شيعية لوزارة الداخلية وستختار الكتل السنة شخصية سنية لوزارة الدفاع، شريطة أن تكون هذه الشخصيات من داخل المؤسسات نفسها، أي أن الشخصيات التي ستتولى الوزاراتين ستكون من الفضاء الوطني الشيعي والسني، ولن يكون للأحزاب التابعة للفصائل المسلحة أي علاقة بعملها. بحسب المصدر.
وكشف المصدر، أن براك أعطى مهلة زمنية 60 يوماً للزيدي لإنهاء ملف الفصائل المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة وتنظيم الوزارات الأمنية وحل كافة المشاكل المرتبطة بالسلاح المنفلت، وإقصاء الفصائل عن المؤسسات الأمنية، مقابل امتيازات مالية ستمنحها واشنطن للعراق في حال نحج الزيدي بتحقيق هذه الشروط ومن ضمنها الاطلاحات الاقتصادية.
براك يدفع بالعراق نحو سوريا
وخلال اللقاء، جدّد الزيدي رغبته بإعادة بناء الاقتصاد العراقي على أسس الشفافية ومكافحة الفساد، عبر تعميق العلاقة مع واشنطن، والمضي في تنفيذ مذكرة التفاهم مع سوريا لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك – بانياس بوصفه مساراً حيوياً لتصدير النفط. ماوصفه مراقبون بأنه خطة أميركية لربط الاقتصاد السوري بالاقتصاد العراقي.
وصرّحت مصادر اقتصادية خاصة مقرّبة من الزيدي لمنصة "المشهد"، أن براك والزيدي اتفقا على تسريع إغلاق ملف الفصائل المسلحة أولاً، ثم الانطلاق بملف مكافحة الفساد ثانياً، تمهيداً لدخول الشركات الأميركية إلى السوق العراقية للاستثمار الآمن بما يعود بالنفع على واشنطن وبغداد معاً.
وأوضحت المصادر، أن براك نقل للزيدي رغبة واشنطن بالفصل السيادي بين الساحة الإيرانية والساحة العراقية في المجالين السياسي والاقتصادي، وإمكانية حصول بغداد على دعم واشنطن لتصدير النفط العراقي عبر سوريا من خلال خط كركوك – بانياس، لتعزيز مصادر تمويل الموازنة العامة للدولة العراقية بعيداً عن طهران والسيطرة الإيرانية.
وكشفت المصادر، أن زيارة براك هي جزء من خطة واشنطن طويلة الأمد لإعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد، وذلك عبر ربط الدول ببعضها اقتصادياً، وتظُهر الخطوات السريعة للولايات المتحدة الأميركية رغبتها بإعادة بناء اقتصاد الدول التي تبنّت "محور المقاومة" (سوريا، العراق، لبنان) بعيداً عن إيران وأذرعها في المنطقة.
ويقول الخبير النفطي كوفند شيرواني، لمنصة "المشهد"، إن الحكومة السورية الانتقالية الجديدة تحظى بدعم دولي على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وتركيا والمجموعة الأوروبية، وأحد أنواع الدعم هو تنشيط علاقاتها الاقتصادية مع دول الجوار خصوصًا مع العراق، بعد أن تأزمت العلاقة بينهما لسنوات طويلة، هذا مادفع براك لنقل دعم واشنطن لبغداد لتخطي هذه الخطوة.
ويرى كوفند، أن واشنطن ترغب بإنشاء علاقة تعاون في المجال النفطي بين العراق وسوريا، والعراق بدأ فعلاً بتنفيذ هذه الخطة، عبر إرسال مئات الشاحنات يومياً لتنقل النفط الخام إلى ميناء بانياس، هذه العملية بطيئة ومُّكلفة ومضرة بالبيئة، لكنها تحقق بعض الإيرادات للحكومة العراقية، ريثما يتم تأهيل أو إعادة تركيب الأنابيب الناقلة للنفط خط كركوك – بانياس.
(المشهد - العراق)