انسداد سياسي.. احتجاجات حاشدة تفاقم أزمات حكومة باكستان

آخر تحديث:

شاركنا:
تعثر الحوار بين الحكومة والمعارضة في باكستان ينذر بتصعيد الاحتجاجات (رويترز)
هايلايت
  • ثمة حالة من الانسداد السياسي تقع تحت وطأتها باكستان بفعل تعثر المفاوضات مع المعارضة.
  • تهدف الاحتجاجات إلى تكثيف الضغط السياسي عبر مسيرة باتجاه العاصمة إسلام آباد.
  • مراقبون: استمرار المواجهة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية يفاقم هشاشة الاستقرار الداخلي.

ثمة حالة من الانسداد السياسي تقع تحت وطأتها باكستان بفعل تعثر المفاوضات بين الحكومة برئاسة شهباز شريف، وتحالف حزب "حركة الإنصاف" المعارض بقيادة رئيس الوزراء السابق عمران خان.

تصاعد الاحتجاجات

من ثم، تتصاعد الاحتجاجات التي اندلعت في 4 أكتوبر، بينما تهدف إلى تكثيف الضغط السياسي عبر مسيرة باتجاه العاصمة إسلام آباد، يقودها رئيس حكومة إقليم خيبر بختونخوا سهيل أفريدي، للمطالبة بالإفراج عن عمران خان وكذلك ضمان حصوله على الرعاية الطبية، إلى جانب الدفع نحو إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

وبحسب قيادي في التحالف المعارض الذي يقوده عمران خان ومراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن الأزمة تتجاوز الخلاف بين الحكومة والمعارضة، إنما تعكس معضلة أعمق تتعلق بنفوذ المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، والجدل بشأن نزاهة الانتخابات واستقلال القضاء.

وتحذر المصادر ذاتها من أن استمرار المواجهة، بالتزامن مع التحديات الأمنية والضغوط الاقتصادية وتراجع ثقة المستثمرين، قد يفاقم هشاشة الاستقرار الداخلي، مؤكدين أن تجاوز الأزمة يتطلب توافقًا سياسيًا يعيد الاعتبار إلى المؤسسات الدستورية ويعزّز الثقة بالعملية الانتخابية.

أزمة سياسية جديدة

وفي تصريحات خاصة لـ"المشهد" يقول القيادي البارز في حزب "حركة الإنصاف" الباكستانية عبد الصمد يعقوب، إن باكستان تواجه أزمة سياسية جديدة في ظل تصاعد التوتر بين الحكومة الاتحادية والحزب المعارض، على خلفية استمرار احتجاز رئيس الوزراء السابق عمران خان، وتزايد المخاوف بشأن الحقوق الديمقراطية والحريات السياسية وسيادة القانون.

وأضاف أن عمران خان يواجه، منذ توقيفه في أغسطس 2023، عدة قضايا قانونية لها دوافع سياسية، في حين تتبنى الحكومة موقفًا مغايرًا بشأن هذه الإجراءات. وشدّد على ضرورة الفصل في هذه القضايا من خلال إجراءات قضائية عادلة ومستقلة.

وتابع: "احتجاز خان لا يمثل، بالنسبة إلى ملايين من أنصار الحزب، مصير قائد سياسي فحسب، بل يعكس معركة أوسع من أجل التمثيل السياسي والحقوق الدستورية وحرية اختيار القيادة".

وأوضح القيادي البارز في حزب "حركة الإنصاف" الباكستانية، أن مطالب الحراك السياسي والاحتجاجات التي تدخل يومها الـ7 تشمل الإفراج عن عمران خان، وتمكينه من التواصل مع أفراد عائلته ومحاميه وأطبائه، وضمان تنفيذ الأوامر القضائية المتعلقة باحتجازه.

الاحتجاج السلمي 

وقال إن الحزب يرى في الاحتجاج السلمي وسيلة دستورية للتعبير عن الاستياء الشعبي عندما تتعثر سبل الحوار السياسي، مشيرًا إلى أن الحكومة تتحمل، في المقابل، مسؤولية الحفاظ على النظام العام مع احترام الحقوق الأساسية للمواطنين.

وتطرق يعقوب إلى التقارير المتعلقة باحتمال اتخاذ إجراءات استثنائية، أو فرض حكم المحافظين في إقليم خيبر بختونخوا، مؤكدًا ضرورة تقييم أيّ خطوة من هذا النوع في ضوء الدستور الباكستاني ومبادئ الحكم الذاتي للأقاليم.

وأضاف أن التحديات الأمنية التي تواجه البلاد حقيقية، لكن التعامل معها ينبغي أن يقوم على التعاون والتنسيق، بدلًا من اتخاذ إجراءات قد تؤدي إلى تعميق الانقسامات السياسية.

وفي ما يتعلق بالجانب الإنساني للأزمة، شدد يعقوب على ضرورة التعامل بشفافية مع التساؤلات المتعلقة بالحالة الصحية لعمران خان، وإمكانية حصوله على الرعاية الطبية والتواصل مع عائلته، وفقًا للقانون، وأكد أن الخلافات السياسية يجب ألّا تنتقص من الحقوق القانونية الأساسية لأيّ سجين أو تمسّ كرامته الإنسانية.

وبينما حذّر يعقوب من أن إسلام آباد قد تواجه ضغوطًا اقتصادية كبيرة وتحديات أمنية مستمرة، حيث إن المواجهة السياسية تجعل معالجة هذه المشكلات أكثر صعوبة، فقد أوضح أن المواطنين يحتاجون إلى الاستقرار الاقتصادي والأمن العام والثقة بأن مؤسسات الدولة تعمل وفقًا للقانون، لا لخدمة المصالح السياسية.

ودعا القيادي البارز في حزب "حركة الإنصاف" الباكستانية الحكومة إلى استئناف مفاوضات جادّة، وضمان الإجراءات القانونية الواجبة، ومراجعة أوضاع العاملين السياسيين المحتجزين بموجب قوانين الاحتجاز الوقائي، إلى جانب التعاون في معالجة التحديات الأمنية مع الالتزام بالحدود الدستورية.

وأكد يعقوب أن استقرار باكستان لا يمكن تحقيقه عبر إقصاء المعارضة أو استمرار الاحتجاجات في الشوارع من دون نهاية، بل يتطلب قضاءً مستقلًا ومؤسسات خاضعة للمساءلة، ومشاركة سياسية أوسع، واحترام الحق في التعبير السلمي عن الرأي.

أزمة أعمق

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، يقول المحلل السياسي الباكستاني جافيد رانا أن تعثر الحوار يعكس أزمة أعمق في النظام السياسي الباكستاني، ترتبط بفعل غياب أو بالأحرى تغييب المؤسسات الديمقراطية، والاعتماد المتكرر على المؤسسة العسكرية لتعزيز مواقعها في السلطة.

وأضاف أن عمران خان زعيم حزب "إنصاف" المسجون في "قضية مسيّسة"، لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، مشيرًا إلى أن حزبه حقق نتائج قوية في انتخابات فبراير 2024، لكنه اتهم جهات نافذة بالتلاعب بالنتائج وإقصاء الحزب عن تولي السلطة.

واعتبر رانا أن التعديلات الدستورية المثيرة للجدل التي أُقرت لاحقًا أسهمت في توسيع نفوذ المؤسسة العسكرية، وألمح إلى ضغوط مورست على معارضين لدفعهم إلى تأييدها، وتابع: "هذه التطورات عمّقت الخلاف بشأن استقلال القضاء وتوازن السلطات في البلاد".

وشدد المحلل السياسي الباكستاني على أن حزب "حركة الإنصاف" يطالب بمسار واضح يفضي إلى الإفراج عن عمران خان أو تمكينه من تلقي العلاج في مستشفى خاص، مستندا إلى سوابق تتعلق بمعاملة رئيس الوزراء الأسبق نواز شريف في ظروف صحية مماثلة.

تعثر المفاوضات 

لكن في ظل تعثر المفاوضات، يسعى  حزب "حركة الإنصاف" إلى تصعيد الضغط السياسي عبر مسيرة باتجاه العاصمة إسلام آباد، يقودها رئيس حكومة إقليم خيبر بختونخوا، سهيل أفريدي، ويقول رانا إن الحزب يستهدف من هذه التحركات "الضغط على الحكومة لإعادة فتح المفاوضات التي تتمحور حول الإفراج عن عمران خان وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات حرة ونزيهة".

وتابع: "الحزب يتمتع بقاعدة شعبية واسعة، كما أن هناك تململًا واستياءً من أداء الحكومة الحالية والدور السياسي للمؤسسة العسكرية"، كما أشار إلى أن قدرة المعارضة على تحويل هذا التأييد إلى تعبئة جماهيرية واسعة ومستدامة ستظل عاملًا حاسمًا في تحديد مسار المواجهة.

وفي ما يتعلق باحتمالات فرض حكم المحافظين أو إعلان حالة الطوارئ في إقليم خيبر بختونخوا، اعتبر رانا أن مثل هذه الخطوات قد تأتي بنتائج عكسية على الحكومة، بدلاً من أن تساعدها على احتواء المعارضة، الأمر الذي سوف يفاقم التوتر في إقليم يواجه بالفعل تحديات أمنية معقدة، في ظل نشاط الجماعات المسلحة، بما يرفع كلفة المواجهة السياسية والأمنية، وقد شدد على أن تجاوز الأزمة يتطلب توافقًا سياسيًا يتجاوز الترتيبات المؤقتة، ويعيد الاعتبار إلى البرلمان والمؤسسات الدستورية بوصفها الإطار الأساسي لتسوية النزاعات.

وحدد جملة من الخطوات اللازمة، تشمل مراجعة التعديلات الدستورية المثيرة للجدل، وضمان حرية التظاهر، وإجراء إصلاحات شاملة للنظام الانتخابي، إلى جانب التوافق على تغيير مفوض الانتخابات بما يعزز الثقة في نزاهة الاستحقاقات المقبلة.

واعتبر أن استمرار التشكيك في نزاهة الانتخابات، إلى جانب سجن عمران خان، ألحق ضررًا بصورة باكستان دوليًا وأضعف ثقة المستثمرين، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى استقرار سياسي ومؤسسي لدعم التعافي الاقتصادي.

كما حذر من أن استمرار المواجهة السياسية يفاقم التحديات التي تواجه باكستان، في ظل اعتمادها على المساعدات الخارجية، إلى جانب الضغوط التضخمية وتراجع ثقة المستثمرين.

بالتبعية، فإن تزامن هذه الضغوط مع الاستقطاب السياسي يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين المواطنين والحكومة، وفق ما يشير المصدر ذاته، بينما يزيد صعوبة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية. 

معاناة حقيقية

وقال المعارض راجا ناصر عباس إن مفاوضات اللحظة الأخيرة بين الحكومة وممثلي الحركة وصلت إلى "طريق مسدود". وأوضح في تصريح لقناة "جيو تي في" الإخبارية الخاصة، أن المفاوضات تعثّرت عند مجموعة من المطالب شملت تمكين طبيب خان من معاينته.

وقال خبير الشؤون الجيوسياسية والباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة في بريطانيا تيم ويلاسي-ويلسي إن هذه الاحتجاجات تفاقم المشكلات التي تواجه باكستان وتراكمها.

وأشار ويلاسي-ويلسي إلى أن الاحتجاجات "مدفوعة في جوهرها بعوامل اقتصادية"، مع تسبب الحرب في الشرق الأوسط بارتفاع أسعار الوقود في باكستان، إضافة إلى ارتفاع أسعار الغذاء على خلفية الحرب في أوكرانيا.

ولفت إلى أن "الحياة اليومية أصبحت معاناة حقيقية بالنسبة للباكستانيين العاديين في السنوات الأخيرة".

وأضاف "إن عمران خان يُعدّ محور المعارضة للحكومة بأسرها".

(المشهد)