على ما يبدو أنّ سيناء أو "أرض الفيروز" كما يحلو للمصريّين أن يلقبوها بهذا الاسم، لا تزال مطمعًا ومحط أنظار الطامحين والغزاة، فوفقًا لما سطّره التاريخ في أزمنة مختلفة، فإنّ الكثير من المعارك العسكرية التي خاضتها مصر كانت على أرض سيناء وترابها.
واليوم ومع التّطورات الإقليميّة المتسارعة التي تحيط بدول المنطقة، بدأت التحديات تفرض نفسها وبقوة من جديد على سيناء، التي ما زالت تلتقط أنفاسها حتى راودتها الأطماع مرة أخرى.
التحديات هذه المرة فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة المتاخم للحدود الشرقية لمصر حيث تقع شبه جزيرة سيناء، وبرزت هذه التحديات في رغبة إسرائيل بإفراغ سكّان غزة من قاطنيه للقضاء على الفصائل الفلسطينية المسلحة، ومطالبة الغزّيين بالاتجاه صوب سيناء والإقامة في داخلها، وهو الأمر الذي قوبل برفض تامّ من مختلف المستويات في مصر، وعدّه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي "خطًا أحمر" لن يقبل بأحد مهما كان تجاوزه.
وفي ظل تزايد الدّعوات الإسرائيلية بتهجير الفلسطينيّين إلى سيناء، بدأت الأصوات تتعالى في الداخل المصري، خصوصًا داخل أروقة مجلس النواب المصريّ حول الإسراع في تنمية وتعمير سيناء بشكل عاجل من أجل قطع الطريق على كل من تسوّل له نفسه في النيل من هذه البقعة التي رواها المصريون بدمائهم على مرّ السنين للحفاظ عليها.
"التنمية" حائط الصدّ الأول لقضية التهجير
وللحديث عن الجدوى الأمنية والسياسية والاقتصادية من الدعوات المطالبة بتعمير صحراء سيناء التقت منصة "المشهد"، عددًا من البرلمانيّين المصريّين حيث يقول رحمي بكير عضو مجلس النواب المصري عن محافظة شمال سيناء، إنّ معظم محاولات النّيل من الدّولة المصرية تأتي من خلال بوّابة سيناء نظرًا إلى موقعها الجغرافيّ الفريد من نوعه، موضحًا ضرورة اتخاذ عدد من التدابير والإجراءات تجاه منع محاولات التهجير القسريّ للفلسطينيّين من قطاع غزة، معتبرًا أنّ الإقدام على تعمير سيناء يعدّ السلاح الأقوى للتصدي للمؤامرات كافة التي تحاك من وقت لآخر ضدّ الأراضي السيناوية.
كيفية جذب المصريّين إلى سيناء؟
ويرى بكير أنّ تعمير سيناء يجب أن يكون بوجود عدد كبير من البشر، والشروع في توطين المواطنين المصريّين عبر خطط موسّعة من خلال:
- إنشاء توفير خدمات متكاملة.
- توفير كل وسائل الحياة المُريحة لإقامة المواطنين.
- بناء المنازل والمساجد والمدارس والوحدات الصحية.
الشروع في إنشاء مراكز الشباب والمحالّ التّجارية وغير ذلك من المرافق الخدمية والمشروعات الإنتاجية، كما طالب بوجود خطة تهدف إلى جذب 5 ملايين مواطن مصري في سيناء في الأعوام القليلة المقبلة.
إفراغ سيناء من المصريّين يجعلها مطمعًا طوال الوقت
أما البرلمانيّ ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع عاطف مغاوري، فيؤكد لمنصة "المشهد" أنّ إفراغ سيناء من المواطنين المصريّين يجعلها دائمًا مطمعًا للكثيرين، وهو ما ظهر جليًا خلال الأيام الماضية من خلال المطالب التي نادت بتهجير الفلسطينيّين إليها. وأوضح مغاوري أنّ "تعمير سيناء لو كان تمّ خلال الأعوام الماضية بالقدر المطلوب، لَما سمعنا الآن عن جلب مواطنين غير مصريّين إليها".
التهجير قد يجعل سيناء مسرحًا للعمليات المسلحة
وبحسب مغاوري فإنّ إجلاء الفلسطينيّين من غزة إلى شبه الجزيرة السيناوية هو أمر من شأنه أن يعمل على جعل الأراضي السيناوية مرتعًا ومسرحًا للعمليات العسكرية، وذلك من خلال انتقال العديد من عناصر الفصائل الفلسطينية مع النازحين، وبالتالي تُصبح سيناء قاعدة لانطلاق عمليات الفصائل الفلسطينية، وهو ما قد يدفع إسرائيل إلى الردّ على أرض مصرية ما قد يدفع بدوره إلى تلاشي السلام الموقّع بين مصر وإسرائيل وهذا الأمر لا تريده مصر.
رفض التهجير لا يعني التخلي عن القضية الفلسطينية
وذهب مغاوري إلى القول إنّ "رفض مصر تمرير التهجير لا يعني التخلي عن الفلسطينيّين فمصر لم ولن تتخلى عن القضية الفلسطينية في أيّ وقت من الأوقات، والمصريون ضحوا بالكثير من أجل الشعب الفلسطيني على مرّ التاريخ"، لافتًا إلى أنّ بلاده أكثر دولة دفعت الثمن بعد الشعب الفلسطيني، حيث إنّ الشعب المصريّ قدّم أرواحه منذ المقاومة الشعبية كما أرسل مساعدات لغزة 4 أضعاف ما قدمته الدول الأخرى، لكنّ قبول مصر بهذا التهجير يعني انتهاء القضية الفلسطينية برمّتها، وضياع حقوق الفلسطينيّين في إقامة دولة مستقلة وعاصمتها القدس". ودعا مغوري إلى إحياء المسار السياسي، لأنّه الضامن الأول والأخير لحل عادل وشامل للصراع القائم بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين.
مصر لن تتهاون في اختراق حدودها
وحذر مغاوري الأطراف التي تسعى إلى نقل الفلسطينيّين إلى سيناء، من أنّ مصر ستتصدى بكل حزم لأيّ تغوّل على حدودها الشرقية المتاخمة للجانب الفلسطيني، مؤكدًا أنّ بلاده ستقدم على استعمال التدابير اللازمة التي تمكنها من الحفاظ على أمنها القومي بأيّ طريقة تراها مناسبة، منوهًا إلى أنّ جميع المصريّين يقفون صفًا واحدًا خلف قيادتهم السياسية في هذا الأمر.
عوائد اقتصادية عديدة
أما من الناحية الاقتصادية، فيؤكد الخبير الاقتصادي محمد أبو عاصي على ضرورة استغلال الثروات الطبيعية التي تتمتع بها شبه جزيرة سيناء مثل الرخام، وذلك في إنشاء صناعات تعتمد على الرخام ما يحقق دخلًا كبيرًا لمصر وخلق مزيد من الفرص الاقتصادية، وهو ما يجعل مصر قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في العديد من السلع إذا أحسن استغلال إمكانيات سيناء الكبيرة.
ويشير أبو عاصي إلى أنّ شبه الجزيرة السيناوية تمتلك فرصة كبيرة في قطاع الزراعة، خصوصًا الزراعات العطرية التي يمكن إنشاء صناعات عليها تدرّ دخلًا كبيرًا على الدولة، إضافة إلى الاتجاه نحو إنشاء صناعات تعتمد على النباتات العطرية بدلًا من تصديرها إلى خارج مصر، وبالتالي إذا تمّ استغلال كل هذه المقومات الطبيعية داخل سيناء، ستكون هناك نقلة نوعية للاقتصاد المصريّ الذي يمر بالعديد من التحديات.
تنمية سيناء يُخفف الزحام عن المحافظات الأخرى
ويوضح أبو عاصي أنّ سيناء مؤهلة للتخفيف من شدة الزّحام الحاصل في المحافظات المصرية، ومؤهّلة لفتح الكثير من المجالات أمام عموم المصريّين لإقامة مجتمعات عمرانية وزراعية وتعدينية وصناعية وسياحية وتجارية، کما أنّ قربها وتداخلها مع إقليم قناة السويس التي تعدّ شريانًا حيويًّا للاقتصاد والتجارة الدولية، وهو الأمر الذي يستلزم على الحكومة أن تجعل من هذه الأرض ملحمة بناء وجسر يعبر من خلاله الشعب المصريّ إلى الأمن والرّخاء.
وكان عدد من أعضاء مجلس النّواب المصري قد طالب الحكومة بضرورة التّوجه نحو الاهتمام بشبه جزيرة سيناء وتنميتها بالشكل المطلوب من أجل استخدام هذه التنمية في التصدي للمؤامرات الطّامعة كافة في أرض سيناء، وخصوصًا في التصدي لقضية تهجير الغزّيين التي تحاول إسرائيل تمريرها بالطرق كافة.
(مصر - المشهد)