استهلّت واشنطن خطواتها السياسية اتّجاه سوريا بمبادرة مبكرة تلت سقوط بشار الأسد مباشرة من خلال زيارة كانت الأولى من نوعها لوفد أميركي رفيع المستوى إلى دمشق منذ أكتوبر 2011، ما اعتُبر في حينه تطوّراً مهماً في سياق الصراع السوري وتعقيداته وتحولات القوى الإقليمية.
الوفد الأميركي الذي ضمّ شخصيات بارزة رفض الاجتماع مع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في القصر الجمهوري، في خطوة فسّرت بعدم رغبة واشنطن بمنح الشرعية للسلطة الجديدة إلى حين الانتهاء من تقييم المشهد السياسي والأمني في البلاد، خصوصا فيما يتعلق بـ"هيئة تحرير الشام" وإدارتها وسلوكها.
ومنذ توليه منصبه، لم يُدلِ ترامب بتصريحات تُذكر عن سوريا. وعندما سُئل بعد تنصيبه بفترة وجيزة عما إذا كان سيسحب القوات الأميركية التي ورد أنه أمر بها 3 مرات خلال ولايته الأولى قبل أن يُقنع بالتراجع عنها، قال إنه "سيتخذ قرارًا بشأن ذلك".
لكن مصادر إعلامية تحدّثت عن قائمة شروط أميركية تم تسليمها من قبل مسؤول من المستوى الثالث في مؤسسة الخارجية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني خلال مؤتمر بروكسل. ووفق رويترز فقد ردت سوريا كتابياً على القائمة التي تمنح دمشق رفعاً جزئياً للعقوبات أو تعليقها بشكل مؤقت، قائلة إنها طبقت معظمها لكن البعض الآخر يتطلب "تفاهمات متبادلة" مع واشنطن، وفقاً لنسخة من الرسالة التي اطلعت عليها رويترز.
دمشق وشروط واشنطن
قبل أيام، كشفت "واشنطن بوست" نقلاً عن مسؤول رفيع في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب "تواصل التعامل مع سوريا بحذر شديد حتى يُثبت الشرع أنه تخلص من المتشددين الإسلاميين الأجانب وبقايا تنظيم القاعدة، ويُظهر قدرته على توحيد الأقليات المتباينة في سوريا".
تضمنت الشروط الأميركية 8 مطالب أبرزها: تدمير مخزونات الأسلحة الكيميائية، منع الأجانب من تولي مناصب حساسة، التعاون في مكافحة الإرهاب، والبحث عن الصحفي الأميركي الذي فقد في سوريا أوستن تايس.
في المقابل، أعلنت سوريا اتخاذ خطوات منها تعزيز التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، تعليق ترقيات المقاتلين الأجانب، وإنشاء مكتب خاص لمتابعة قضية الصحفي المفقود أوستن تايس.
وعلى الرغم من هذه الاستجابة الجزئية، شددت دمشق على أن بعض الشروط يتطلب تفاهمات متبادلة مع الولايات المتحدة، ما يعكس تعقيد بعض الملفات العالقة وعلى رأسها ملف المقاتلين الأجانب والتنسيق العملياتي في مكافحة الإرهاب.
يرى الأكاديمي والباحث السياسي د. مالك الحافظ في حديث إلى منصة "المشهد" أن "مسار الحوار الحالي بين واشنطن ودمشق هو مسار تجريبي أكثر منه مسار تفاوضي ناضج. فالسلطة الانتقالية تتعامل مع الطلبات الأميركية بمزيج من المناورة التكتيكية والإرجاء الإداري، حيث يتم الاستجابة لبعض المطالب الجزئية لفتح قنوات اتصال أوسع، من دون تقديم التزامات جوهرية".
ويضيف الحافظ أن "الردود السورية حتى اللحظة تبدو انتقائية، تراهن على مقايضة محدودة من خلال تقديم بعض "الضمانات الشكلية" مقابل رفع تدريجي للعقوبات، مع الاحتفاظ بجوهر المشروع السلطوي الحالي القائم على الإصرار في تجنيس المقاتلين الأجانب والشرعية السلفية الجهادية. بالتالي، لا يمكن الحديث عن استجابة فعلية للشروط الأميركية، بل عن محاولة لكسب الوقت وإعادة تشكيل صورة السلطة الانتقالية أمام الغرب من دون تغيير بنيتها العميقة".
المقاتلون الأجانب في سوريا
ويعتبر ملف المقاتلين الأجانب في سوريا من أبرز المفات العالقة بين الغرب والإدارة السورية الجديدة، في وقت لا يوجد فيه خطة واضحة لمعالجة وجود المقاتلين الأجانب داخل الجيش السوري الجديد، إضافة إلى غموض بشأن آلية التعاون الأمني مع الولايات المتحدة. ورغم تعليق دمشق ترقية بعض المقاتلين الأجانب كخطوة مبدئية، لم تُطرح حتى الآن إستراتيجية شاملة لترحيلهم أو تفكيك وجودهم العسكري.
في المقابل، أبدت سوريا انفتاحاً على تعزيز التنسيق مع الجانب الأميركي، خصوصاً في ملف مكافحة تنظيم داعش، عبر قنوات أمنية قائمة في العاصمة الأردنية عمّان. وتعتبر هذه الإشارة إلى التنسيق الإقليمي مؤشراً على رغبة دمشق في تقديم تنازلات محسوبة لتخفيف الضغوط الدولية، من دون المساس ببعض الخطوط الحمراء المرتبطة بتحالفاتها الإقليمية.
في هذا السياق، يقول الحافظ إنه "واقعياً، الحكومة الانتقالية تفتقر إلى القدرة السياسية والإدارية على تنفيذ كامل المطالب الأميركية، خصوصاً في ملف المقاتلين الأجانب. فجزء من التكوين البنيوي لهذه السلطة يستند إلى الكتلة العسكرية – الأمنية التي تضم مقاتلين أجانب قاتلوا في صفوفها لسنوات، وبعض هؤلاء جرى منحهم امتيازات عسكرية أو مدنية كجزء من ترتيبات الأمر الواقع".
وبحسب الحافظ فإن "التخلص من هؤلاء المقاتلين أو سحب الرتب منهم أو منع تجنيسهم، سيؤدي إلى صراع داخلي خطير قد يهدد تماسك السلطة الانتقالية ذاتها. لذلك فإن تعاملها مع هذا الملف يتميز بالتردد والمراوغة والوعود المؤجلة".
هذا وقال وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة في وقت سابق إن أعداد المقاتلين الأجانب الذين جرت ترقيتهم عسكرياً، قليلة، وقد قدموا تضحيات في سوريا وهم على درجة عالية من الوعي، مع التأكيد على أهمية التزامهم بالسياسة العامة للبلاد.
السلام مع إسرائيل
في أول خطاب له بمجلس الأمن، حرص وزير الخارجية السوري على توجيه رسالة إلى إسرائيل، مشيرا إلى أن سوريا الجديدة لن تمثل تهديدًا لأي دولة بما في ذلك إسرائيل.
كذلك في رسالتها إلى واشنطن، أبرزت دمشق اتخاذ خطوة لافتة عبر الإعلان عن تشكيل لجنة خاصة لمراقبة أنشطة الفصائل الفلسطينية العاملة داخل الأراضي السورية، كاستجابة مباشرة لمطلب أميركي بضرورة الحد من الأنشطة العسكرية والسياسية لتلك الفصائل، خصوصاً تلك التي تصنفها الولايات المتحدة كـ"منظمات إرهابية".
يشرح الأكاديمي السوري مالك الحاظ أنه "لا شك أن جزءاً من الدوافع الأميركية يتعلق بإعادة ترتيب البيئة الإقليمية، وفي القلب منها تحييد سوريا كعامل تهديد مستقبلي لإسرائيل. لكن من السابق لأوانه الجزم بأن الهدف المباشر الحالي هو فرض اتفاق سلام شامل. على الأرجح، تسعى واشنطن إلى تهيئة بنية استقرار طويلة الأمد عبر ضمان التزامات أمنية من السلطة الانتقالية تجاه الحدود مع إسرائيل، وتقليص نفوذ الجماعات المسلحة غير المنضبطة، وإعادة سوريا إلى حالة الدولة القابلة للاحتواء".
ويشير الحافظ إلى أنه في حال تم الدفع فعلاً نحو اتفاق، فإن ملامحه ستقوم على:
- ترتيبات أمنية مشددة على طول الجولان.
- ضمانات بعدم استخدام الأراضي السورية لتهديد إسرائيل.
- علاقات اقتصادية - لوجستية تدريجية محدودة مع تل أبيب.
التأثير على الداخل السوري
وبحسب "واشنطن بوست"، قال مصدر مسؤول، وهو واحد من مسؤولين أميركيين وأجانب تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لحساسية دبلوماسية: "لا نهدف بالضرورة إلى إنقاذ سوريا من أجل الشعب السوري. نهدف إلى عدم عودة إيران وعودة تنظيم داعش باعتبارهما المصلحة الأساسية للشعب الأميركي هناك".
وحول تأثير أي اتفاق مع واشنطن على الداخل السوري يقول الحافظ إن "أي اتفاق أو تفاهم مع واشنطن قد يمنح السلطة الانتقالية بعض الشرعية الدولية الرمزية، لكنه لن يُترجم بالضرورة إلى استقرار داخلي ما لم تُعالج التصدعات البنيوية العميقة. وعلى الرغم من أن واشنطن تضع ملف التشدد ضمن شروطها، لكنها تتعامل معه كأداة ضغط لا كأولوية مستقلة بذاتها".
ويختتم الحافظ حديثه لـ"المشهد" قائلًا إن "التشدد العقائدي - الأمني داخل سوريا الانتقالية، خصوصاً ما يتصل بمسألة تجنيس المقاتلين الأجانب أو فرض أنماط سلفية على المجال العام، قد يبقى مشكلة داخلية مزمنة إذا لم يكن هناك إصرار دولي وإقليمي على تفكيكه بوسائل ضغط حقيقية. لذلك، فإن ضبط مظاهر التشدد سيتطلب مقاربات أوسع من مجرد الضغوط الأميركية، بل يحتاج إلى مشروع إعادة بناء وطني داخلي تتشارك فيه قوى المجتمع، وهو ما لا يبدو مطروحاً بجدية حتى اللحظة".
ولا بد من الإشارة إلى أن الداخل السوري يشهد اليوم انقسامًا في الرأي؛ فبينما يرى البعض أن السلطة الجديدة تتسم بالانفتاح على مختلف الآراء وتعاملها الإيجابي مع الأقليات من دون مظاهر تشدد واضحة، يرى آخرون أن الخلفية الإيديولوجية المتشددة التي تحملها ما تزال تلقي بظلالها على سلوكياتها وخياراتها.
(المشهد)