بعد 6 أشهر على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، لم يخرج قطاع غزة من عنق الزجاجة، بل دخل في مرحلة جمود خطير بين "لا حرب ولا سلم"، فالاتفاق الذي كان يُفترض أن يوقف العمليات العسكرية ويسمح بالانسحاب ورفع القيود عن المساعدات، تحول إلى وعود غير منفذة، إذ ما تزال القوات الإسرائيلية متوغلة في محاور القطاع، وتعبر المساعدات بشكل متقطع لا يلبي سوى ربع الحاجة الأساسية.
على الجانب الآخر، يتمسك رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو بشرط نزع سلاح "حماس" بالكامل قبل أي حديث عن إعمار أو انسحاب، وهو ما تعتبره الحركة تعجيزياً، وفي هذا الإطار، أشار محللون لمنصة "المشهد"، أن إطالة أمد الحرب ليست مجرد خيار عسكري، بل ورقة انتخابية بامتياز، إذ تتيح لنتانياهو تعليق التحقيقات في إخفاقات السابع من أكتوبر، وتأجيل محاكمته، وكسر شوكة المعارضة، وذلك مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
في المقابل، يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة طموحة لإعادة إعمار غزة وتحويلها إلى "ريفيرا الشرق الأوسط" خلال 8 أشهر، بشرط نزع سلاح "حماس" بالكامل، لكن الخطة وفق محللين تواجه عقبات شبه مستعصية، تبقي فرص تنفيذها ضئيلة في المدى المنظور.
تعثر إتفاق غزة
أكد الباحث والمحلل السياسي وسام عفيفة، لمنصة "المشهد"، أسباب تعثر إتفاق غزة حتى اليوم، بفعل عوامل متداخلة:
- أولها: إسرائيل لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره مساراً ملزماً متعدد المراحل، بل حاولت عملياً القفز فوق استحقاقات المرحلة الأولى باتجاه أولوية واحدة هي نزع السلاح، مع استمرار الضربات والاغتيالات والتوسع الميداني رغم وقف إطلاق النار.
- ثانيها: الولايات المتحدة، بدل أن تضغط لفرض تنفيذ المراحل كما هي، دفعت عبر مجلس السلام ومقترحات نزع السلاح إلى إعادة ترتيب الأولويات بطريقة تخدم المقاربة الإسرائيلية أكثر مما تخدم منطق الاتفاق الأصلي.
- وثالثها: "حماس" أيضاً لم تُبدِ استعداداً لقبول طرح نزع السلاح بصيغته الحالية، لكنها تربط ذلك بضمانات مسبقة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وتنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى.
وفي ظل هذا الفشل، يعتقد الباحث السياسي عفيفة أن أقرب توصيف لمصير مستقبل قطاع غزة، أنه "لسنا أمام ما بعد الحرب، بل أمام حرب استنزاف منخفضة الوتيرة، لا عودة لاجتياح شامل يومي، ولا انتقال حقيقي إلى الاستقرار، هشاشة إنسانية مستمرة، فراغ إداري مؤجل، ومحاولة إسرائيلية لفرض وقائع أمنية طويلة الأمد من دون حسم سياسي نهائي، هذا يعني أن غزة قد تبقى خلال الأشهر المقبلة في منطقة وسطى: لا تسوية مكتملة، ولا حرب شاملة معلنة، بل إدارة أزمة مفتوحة".
ويرجح عفيفة عودة نتانياهو إلى مسار الحرب قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة بحلول أواخر أكتوبر 2026، لكنه على الأرجح لن يأخذ شكل الحرب الكاملة مباشرة، إلا إذا رأى نتانياهو أن هناك مكسباً سياسياً أو أمنياً واضحاً من ذلك، لهذا، قد يكون السيناريو الأقرب هو أن يواصل نتانياهو التصعيد المحسوب في غزة، ضربات، اغتيالات، تضييق إنساني، وربما عمليات أوسع موضعية، ليحافظ على خطاب النصر المطلق من دون المخاطرة فوراً بحرب واسعة لا يضمن نتائجها.
وأضاف "لكن إذا شعر أن وضعه الداخلي يتدهور، أو أن المعارضة تستثمر ضده، أو أن التفاهمات القائمة لم تعد تخدمه، فقد يعود إلى توسيع الحرب واستخدام غزة مرة أخرى كساحة لإعادة تجميع اليمين خلفه انتخابياً".
تجدد الحرب على غزة
من جانبه، أكد الأكاديمي والخبير السياسي أحمد رفيق عوض لمنصة "المشهد" أن عدة ظروف وعوامل اجتمعت لتعطل وتعثر اتفاق غزة، "لم تنفذ إسرائيل ما تبقي من المرحلة الأولى من الإتفاق، بعد الحرب على إيران توقف كل شيء، والكل انشغل بها".
وأوضح عوض أن إسرائيل رفضت التعاطي مع اللجنة الإدارية لإدارة قطاع غزة، ومسألة تشكيل قوة الإستقرار لم تجري كما خطط لها، لم تجمع الأموال حتى اللحظة، ورغبة "حماس" بتسليم سلاحها بضمانات سياسية واتفاق وطني فلسطيني، وكذلك "حماس" تريد تسليم سلاحها عندما تنتهي الحرب، أي بثمن سياسي، بالمقابل فشلت الولايات المتحدة الأميركية في تجميع الأموال اللازمة لمجلس السلام، ولم تشكل قوة الإستقرار التي تم الإتفاق عليها، ولم تتمكن من الضغط على إسرائيل في إظهار حسن النوايا.
ويضيف أن مصير قطاع غزة التقسيم في حال فشل اتفاق غزة، "فأكثر من نصف القطاع يقع تحت السيطرة الإسرائيلية، والنصف الثاني يقع تحت كارثة يومية، قسم مخنوق ومحاصر تسيطر عليه إسرائيل، فالمساعدات تأتي بالقطارة، ناهيك عن حصار وإغلاق المعابر، إضافة للضربات الإسرائيلية المستمرة، يضاف إلى كل ذلك سيطرة حركة "حماس" على قطاع غزة، حيث بات متوقعاً أن تشن إسرائيل حرباً شاملة على القطاع بهدف نزع سلاح "حماس" وهذا سيناريو مهم في مشهد غزة الذي يعيش وضعاً كارثياً".
ورجح عوض خلال حديثه لـ"المشهد"، عودة رئيس الحكومة الإسرائيلي نتنياهو لمسار الحرب قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أكتوبر المقبل، قائلاً، "هذا الرجل يريد تسجيل إنتصار، وينصب نفسه بأنه جلب النصر لإسرائيل، واحتمال أن يشن حرباً ضارية على القطاع أمراً وارداً، للبحث عن صورة انتصار، وسيتذرع بأنه لا يوجد أي جانب يسعى لنزع سلاح "حماس"، ويسعى تحويل أنظار الجمهور الإسرائيلي للحرب لكي ينجو من المحاكمة، بالإضافة لتمرير مخططاته في الإستيطان والإستثمار بعموم القطاع".
خطة ترامب في غزة
من جانبه، أوضح الكاتب والمحلل السياسي أشرف العجرمي لمنصة "المشهد" أن خطة الرئيس الأميركي حيال قطاع غزة تقوم على البنود التالية، "نزع سلاح "حماس" في فترة زمنية محددة، يتم في إطارها النزع بشكل تدريجي، وبعد 6 شهور يكون قد تم نزع جميع الأسلحة، بما فيها الأسلحة الفردية.
وأشار العجرمي إلى أن هذه الخطة ترفضها حركة "حماس"، وهذا يدفع إسرائيل التذرع برفض "حماس" بهدف الإستمرار على الوضع القائم من ناحية إستمرار الاحتلال لقطاع غزة، وفرض التقسيم على قطاع غزة بالخط الأصفر والخطوط الأخرى، ومن المفترض إنشاء هيئات إدارية بديلة لحكم "حماس"، وبعدها خطوة نشر قوة تثبيت دولية، يليها انسحاب إسرائيلي تدريجي، وإعادة الإعمار".
وأكد المحلل السياسي أن جميع المؤشرات تشير بأن فرص تنفيذ الخطة محدودة جداً وتواجه عقبات شبه مستحيلة، وتتضاءل أكثر مع كل يوم يمر، وأبرز التحديات:
- أزمة تمويل خانقة، لا توجد أموال متاحة حالياً لدعم مجلس السلام العالمي.
- رفض "حماس" القاطع بتسليم أسلحتها دون التزام إسرائيلي واضح بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.
- غياب البديل القيادي، اللجنة الفنية الجديدة عالقة في القاهرة وغير قادرة على دخول غزة بسبب نقص التمويل والأمان.
- التعقيدات الإقليمية، الحرب والاشتباكات مع إيران صرفت انتباه المانحين وجمدت آليات التمويل، مما جعل تنفيذ الخطة أولوية أقل في المنطقة".
(المشهد)