وسط أنقاض حرب دامت عامين، تبدأ جرافات ثقيلة بالظهور في أرض شرق مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، حاملة معها مخططًا أميركيًا إسرائيليًا طموحًا ومثيرًا للجدل، تحت مسمى "رفح الخضراء" و"غزة الجديدة"، المشروع لا يهدف لإزالة الركام فحسب، بل يطرح رؤية جيوسياسية تقسّم القطاع إلى كيانين منفصلين، ويعِد بمستقبل مشرق لسكانه، لكنه في الوقت ذاته، يثير مخاوف عميقة من تأبيد الاحتلال وفرض واقع ديموغرافي جديد.
"رفح الخضراء" و"غزة الجديدة"
وبحسب معلومات مراسلة منصة "المشهد" في القدس، فإنّ منطقة شرقي رفح، يتم تهيئتها لتضم مراكز إنسانية لتوزيع المساعدات، مخصصة لمن لا ينتمون إلى حركة "حماس"، وتشهد المدينة عمليات مكثفة لإزالة الأنقاض من أجل إعادة إعمار المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أي "المنطقة الصفراء"، ومن ثم دخول قوة استقرار دولية، تتولى إنشاء أحياء موقتة تضم خيامًا وكرفانات، مجهزة بالمياه والكهرباء.
وجدير بالذكر، أنّ التنفيذ الميداني بدأ تحت ضغوط أميركية مباشرة على الحكومة الإسرائيلية، التي حاولت، وفقًا لتقارير إعلامية عبرية، المماطلة لأسابيع قبل أن ترضخ، وتشمل الأعمال الجارية إدخال معدات ثقيلة لإزالة الركام والمتفجرات من الأراضي، وأعمالًا عسكرية موازية مثل ضخ الإسمنت في الأنفاق لتعطيلها.
على الجانب الآخر، يلقى المخطط رفضًا قاطعًا من جميع الأطراف الفلسطينية، فحركة "حماس" تصفه بـ"الخدعة الجديدة" لتبرير خرق إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار، أما السلطة الفلسطينية، فتؤكد تمسكها بخطتها العربية الموحدة لإعادة الإعمار، وترى في المشروع محاولة لتهميش دورها الوطني والتحايل على الحقوق الفلسطينية.
هندسة إسرائيلية لقطاع غزة
على ما يبدو أنّ المخطط يدلّل على حجم التحولات الكبيرة التي تعمل واشنطن وتل أبيب على تنفيذها ضمن محاولة إعادة تشكيل قطاع غزة سياسيًا وسكانيًا وإداريًا، وفي هذا السياق يوضح الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع لمنصة "المشهد"، بأنّ:
- ما يُسمّى بغزة الجديدة أو رفح الخضراء، هو في حقيقته مخطط لتقسيم قطاع غزة ميدانيًا وجغرافيًا، وليس مشروعًا إعماريًا أو تنمويًا كما يُروَّج.
- يرتكز المخطط على إقامة منطقة جديدة في جنوب القطاع، تبدأ من شرق رفح وتمتد شمالًا.
- تُوضع تحت إشراف أمني إسرائيلي مباشر أو بإدارة قوى دولية موالية له، مع إقامة معابر ونقاط تفتيش تفصلها عن بقية القطاع.
- عمليًا، يعني ذلك تحويل غزة إلى منطقتين منفصلتين، الأولى خضراء تُخضع لرقابة أمنية مشددة وتُجهّز بمرافق وبنية تحتية جديدة. والثانية تُترك مدمّرة وخارج أيّ إطار لإعادة البناء أو الإدارة المدنية.
ويمضي قائلًا، "تتضمن الخطة إعادة توطين قرابة مليوني فلسطيني في مناطق جديدة خاضعة لإسرائيل شرق الخط الأصفر، وتفريغ المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس" من المدنيين بالكامل، وملاحقة عناصرها في هذه المناطق تدريجيًا.
ووفق تقدير الباحث مناع، فإنّ "المخطط يرمي لتفريغ غزة من مركزها السياسي وإعادة تشكيلها ديموغرافيًا وجغرافيًا بما يضمن سيطرة إسرائيلية دائمة على جزء كبير من القطاع، ويمنع قيام سلطة فلسطينية موحّدة، إنه مشروع يعيد إنتاج نموذج التقسيم الجغرافي والسياسي عبر فرض أمر واقع جديد على الأرض، يربط الأمن بالسيطرة المكانية، ويحوّل الجنوب إلى منطقة مراقَبة ومعزولة تمثل نواة لتقسيم دائم لقطاع غزة".
الأبعاد الإستراتيجية
يتجاوز مشروع "غزة الجديدة" كونه عملية إعادة إعمار إنسانية، ليحمل أبعادًا سياسية وأمنية عميقة، يقول المحلل السياسي فراس ياغي لمنصة "المشهد"، إنّ إسرائيل تهدف إلى تحقيق مجموعة من الأهداف:
- أولًا، عزل "حماس" سياسيًا وديموغرافيًا، فالخطة تقوم على جذب المدنيين الفلسطينيين للعيش في مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو إدارة بديلة، ما يحرم "حماس" من قاعدة شعبية ودعم لوجستي، فالهدف النهائي إفراغ المناطق التي تسيطر عليها "حماس" من المدنيين غير المرتبطين بالحركة.
- ثانيًا، تقسيم القطاع فعليًا، إذ يعزز المخطط التقسيم الحاصل بالفعل بموجب الخط الأصفر الذي قسم غزة إلى نصفين تقريبًا، نصف غربي تحت سيطرة "حماس"، وآخر شرقي تحت السيطرة الإسرائيلية، ويتم الترويج لمصطلحات مثل غزة الجديدة للمناطق الخاضعة للإشراف الإسرائيلي أو الدولي، مقابل غزة القديمة للمناطق الواقعة تحت سيطرة "حماس"، ما يعكس رؤية لتقسيم دائم.
- ثالثًا، خلق واقع جديد قبل التوصل لتسوية سياسية، حيث تُظهر التحضيرات الميدانية أنّ إسرائيل، بدفع أميركي، تسعى لفرض وقائع جديدة على الأرض بغضّ النظر عن تقدم مفاوضات وقف إطلاق النار مع "حماس"، وهذا يعكس اعترافًا أميركيًا ضمنيًا بأنّ إزاحة "حماس" عن السلطة لن تحدث قريبًا.
- رابعًا، ضمانات أمنية صارمة حيث تنوي القوات الإسرائيلية إنشاء نقاط تفتيش وفحص متطورة على الخط الأصفر، تستخدم تقنيات التعرف إلى الوجه والذكاء الاصطناعي، لمنع تسلل عناصر "حماس" أو الأسلحة إلى المنطقة الخضراء.
ومن وجهة نظر المحلل السياسي ياغي، فـ"قطاع غزة ينتظره معركة وجود جديدة، لكنها هذه المرة معركة ضد خرائط التقسيم الديموغرافي والهندسة الاجتماعية، وليس فقط ضد الدمار، وبالتالي نجاح مخطط غزة الجديدة أو فشله سيتحدد في النهاية في ذلك المثلث الصعب، ضغط القوى الدولية الرامي لفرض الأمر الواقع، إصرار إسرائيل على تحقيق مكاسب استراتيجية دائمة، وتصميم الشعب الفلسطيني على الصمود والبقاء فوق أرضه".
تجهيزات إسرائيلية
وفي هذا الصدد، يوضح المحلل السياسي الإسرائيلي يوآف شتيرن لمنصة "المشهد"، بأنّ "المشروع فرصة إستراتيجية بالنسبة لإسرائيل، بهدف عزل "حماس" ديموغرافيًا وسياسيًا، وإجبارها على الاستسلام عبر حرمانها من المدنيين والمساعدات، وإعادة رسم خريطة غزة، من خلال تقسيم غزة فعليًا إلى جديدة خضراء شرقًا وقديمة حمراء غربًا، وهذا المشروع أداة عملية لتحقيق أهداف إسرائيلية استراتيجية طويلة الأمد".
وأشار المحلل السياسي شتيرن خلال حديثه لـ"المشهد"، بأنّ مخطط غزة الجديدة، "يقوم على خلق واقع دائم من خلال تقسيم القطاع إلى غزة الجديدة، الشرق تحت سيطرة أو وصاية إسرائيلية دولية، وغزة القديمة في الغرب، والأهم من كل ذلك بالنسبة للحكومة الإسرائيلية، عزل "حماس" عسكريًا وسياسيًا، وتجريدها من بيئتها المجتمعية عبر نقل المدنيين الفلسطينيين تدريجيًا إلى الأحياء الموقتة، ثم المناطق الدائمة في المنطقة الخضراء، الفكرة هي أنه بمجرد إفراغ المناطق التي تسيطر عليها "حماس" من المدنيين غير المنتمين لها، ستبقى الحركة معزولة في جيب أحمر محاصر، ما يجبرها في النهاية على الاختيار بين الاستسلام ونزع السلاح أو الموت البطيء".
ووفق المحلل السياسي شتيرن، فإنّ "إسرائيل تسعى لتعزيز السيطرة الأمنية عبر التكنولوجيا، حيث هناك خطط لإقامة نقاط تفتيش وتحصينات تكنولوجية متطورة على الخط الأصفر، باستخدام التعرف إلى الوجه والذكاء الاصطناعي، لمنع تسلل عناصر "حماس" أو تهريب الأسلحة إلى غزة الجديدة".
(المشهد)