مثّلت الوثائق السرية التي كشفت عنها صحيفة "نيويورك تايمز" بشأن استخدام الكلور وتطوير برنامج للأسلحة الكيميائية في السودان، استدارة قصوى في مسار هذا الملف، إذ تنقل الاتهامات من مستوى الانتهاكات الميدانية إلى ضرورة مساءلة قيادات المنظومة العسكرية وفي قمتها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
استخدام الكلور في السودان
هذه المساءلة تبعث بما هو أكثر من مجرد احتجاج، إذ تباشر القوى المدنية والسياسية السودانية في مهامها المباشرة، بالاصطفاف حول هدف واضح يتمثل في وضع حدّ نهائي لمسار الحرب وانتهاكاته المتكررة، بما في ذلك الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية منذ عام 2024، وإنهاء منطق الإفلات من العقاب الذي سمح باستمرار الحرب وتوسّع دائرة الخروقات بحق المدنيين.
فيما اتفق مراقبون وسياسيون سودانيون تحدثوا لـ"المشهد"، على أنّ الوثائق والتحقيقات المتعلقة ببرنامج الأسلحة الكيميائية في السودان، تقتضى ضرورة فتح مسار جدي للمساءلة، خصوصًا مع ما تثيره من شبهات بشأن علم قيادات عسكرية عليا بالبرنامج، واستخدام الكلور في العمليات الحربية ومحاولات طمس الأدلة.
وألحّت المصادر ذاتها على ضرورة اصطفاف القوى المدنية والسياسية حول مسار وطني ودولي يضع حدًا للحرب والإفلات من العقاب، ويضمن ألاّ تتحول الانتهاكات المتكررة، بما فيها الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيميائية، إلى أمر واقع بلا محاسبة.
"جريمة حرب"
وكان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود"، قد اتهم قيادة الجيش السوداني بإنشاء برنامج سري لإنتاج وتخزين ذخائر محمّلة بغاز الكلور واستخدامها خلال الحرب، مطالبًا، في بيان أصدره الجمعة، بإجراء تحقيق دولي عاجل ومستقل في ما وصفه بـ"جريمة حرب" وانتهاك صارخ لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
إذًا، ساهمت سياسة الإفلات من العقاب المتبعة في السودان في استمرار الجرائم والانتهاكات الخطيرة، بما في ذلك "جرائم الحرب" و"الجرائم ضد الإنسانية"، منذ عهد الرئيس السابق عمر البشير وحتى اليوم، حسبما يوضح المستشار السابق لرئيس الحكومة السودانية فايز السليك.
ويقول السليك لـ"المشهد"، إنّ "البرهان وأركان قيادته العسكرية وسلطته، إلى جانب حلفائهم من الإسلامويين، ظلوا يتهربون من استحقاقات العدالة، إذ رفضوا تسليم المطلوبين إلى المحكمة الجنائية الدولية على خلفية جرائم الحرب في دارفور، وواصلوا النهج ذاته المعادي للمساءلة والعدالة".
ويضيف، أنّ هذه الانتهاكات لم تبدأ مع الحرب الحالية، مشيرًا إلى أنّ قيادات الجيش ارتكبت، قبل اندلاعها، خروقات أخرى، من بينها فض اعتصام ثورة ديسمبر وقتل متظاهرين، من دون أن تفضي تلك الوقائع إلى محاسبة حقيقية للمسؤولين عنها.
ويرى المستشار السابق لرئيس الحكومة السودانية، أنّ العدالة تظل واحدة من أبرز القضايا الغائبة أو بالأحرى التي يتم تغييبها، قسرًا، عن المشهد السوداني، وأنّ استمرار الإفلات من العقاب يشجع ارتكاب مزيد من الجرائم والانتهاكات، بما فيها استخدام الأسلحة المحظورة دوليًا.
ويؤكد أنّ على القوى المدنية السودانية، بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني، تكثيف جهودها لمحاصرة السلطة عبر المسارات القانونية والدولية، وإحالة ملفات جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة إلى المحكمة الجنائية الدولية، في ظل ما يصفه بضعف المنظومة القانونية السودانية في التعامل مع جرائم الحرب، فضلًا عن تسييس الجهاز القضائي وعدم قدرته على ضمان تحقيق العدالة بصورة مستقلة.
خطوة مصيرية
في حديثه لمنصة "المشهد" يقول مدير مركز دراسات "مرصد الساحل الإفريقي" محمد علي كيلاني، إنّ تحرك القوى السياسية والمدنية لفتح ملف المحاسبة والمساءلة يمثل "خطوة مصيرية"، لجهة إنهاء الحروب التي أشعلها الجيش منذ استقلال السودان عام 1956، والتي أودت بحياة نحو 2 مليون سوداني بينما شردت عشرات الملايين، الأمر الذي يتطلب جهودًا وطنية جادة من القوى الحريصة على مصلحة البلاد.
وتابع: "هذه الجهود تهدف إلى إنقاذ السودان من تغوّل ضباط الجيش على السلطة، ووضع حد للتجاوزات التاريخية التي مارستها المؤسسة العسكرية بحق الشعب السوداني على مدار عقود".
وعلى الصعيد الدولي، فقد حسم المجتمع الدولي أمره بشأن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التاريخية في السودان، وفي مقدمتهم الجيش وشبكاته الأمنية والاجتماعية الداعمة له، بحسب ما يوضح الكيلاني.
"شبكة الموت"
وفي هذا الإطار، فإنّ العقوبات الدولية المفروضة على الجيش وشركاته وواجهاته المختلفة، والحديث لمدير مركز دراسات "مرصد الساحل الإفريقي"، ستؤدي حتمًا إلى محاصرة البرهان وتقويض "شبكة الموت" التي يقودها، وإنهاء الحرب، خصوصًا في ظل الأدلة المتعلقة باستخدام غاز الكلور السّام في العمليات الحربية.
وقد ألمّح إلى أنه على المستوى الأميركي، قد ظلت واشنطن تتابع لأكثر من 24 عامًا ملف تهريب الأسلحة المحظورة دوليًا. وبحسب مصادر استخباراتية، فإن ملف "السلاح الكيميائي السوداني" يعيد إلى الأذهان سيناريو العراق. إذ تشير معلومات من دوائر أممية، إلى أنّ أزمة الأسلحة الكيميائية في السودان، تحمل "بصمات واضحة لأسلحة الدمار الشامل العراقية"، حيث يُعتقد أنّ جزءًا منها قد تم تهريبه إلى السودان في فترة التسعينيات، بعد رفض صدام حسين دخول المفتشين في البداية.
وعليه، فإنّ التسريبات الأخيرة حول البرنامج الكيميائي السوداني تؤكد، وفق الكيلاني، أنّ واشنطن، في سعيها الدؤوب للبحث عن أثر لأسلحة الدمار الشامل العراقية المفقودة، قد عثرت على أدلة تشير إلى وجودها داخل السودان، وفق ما يشير الكيلاني.
وختم حديثه قائلًا إنّ البرهان وجماعة "الحركة الإسلامية" المتحالفة معه، لن يجدوا مخرجًا آمنًا من قضية "الكيميائي" أو من تصنيفهم كجماعة إرهابية، وقد حكموا على أنفسهم بالإدانة بسبب قرارهم إشعال حرب السودان، والإصرار على عدم الاستجابة للمطالب الدولية بوقفها، والذهاب أبعد من ذلك باستخدام الأسلحة الكيميائية المحرمة دوليًا".
نقلة نوعية
ويرى المحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد، أنّ تحقيق "نيويورك تايمز" يمثل نقلة نوعية في ملف الأسلحة الكيميائية بالسودان، لأنه لا يكتفي بكشف تفاصيل البرنامج، بل يربطه مباشرة بمستويات عليا في قيادة الجيش، وفي مقدمتها الفريق عبد الفتاح البرهان.
ويقول المختار محمد لـ"المشهد"، إنّ ما يزيد خطورة الملف هو الكشف عن حصول الجيش على أسطوانات كلور مخصصة لمعالجة مياه الشرب ومكافحة الكوليرا وتحويلها إلى استخدامات عسكرية، معتبرًا ذلك "تحويلًا ممنهجًا للمساعدات الإنسانية والخدمات المدنية إلى أدوات قتالية".
كما يشير إلى أنّ التحقيق كشف عن محاولات للتستر على البرنامج ومحو آثاره، بما في ذلك تشكيل لجنة تحقيق داخلية، وهو ما يعكس نمطًا قائمًا على الإنكار وامتصاص الضغوط الدولية بدلًا من مواجهة المسؤولية.
ويعتبر المحلل السياسي السوداني أنّ اللجوء إلى الأسلحة الكيميائية في منتصف عام 2024، جاء في سياق العجز عن تحقيق الحسم العسكري بالوسائل التقليدية، مشيرًا إلى أنّ استخدام هذه الأسلحة يمثل امتدادًا لعقيدة عسكرية وعملياتية تسعى إلى فرض الأمر الواقع مهما كانت الكلفة البشرية.
ويخلص إلى أنّ الوثائق والتحقيقات الجديدة، تفرض فتح مسار جدي للمساءلة، وتحديد المسؤوليات القيادية والتنفيذية، بدل الاكتفاء بالإنكار واللجان الشكلية، خصوصًا مع ما تثيره الاتهامات من انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.
(المشهد)
