تصعيد بين الزيدي والفصائل المسلحة.. هل يقترب العراق من مواجهة داخلية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
أزمة السلاح في العراق تتعقد (رويترز)
هايلايت
  • مصادر خاصة: إطلاق سراح اليعقوبي جنّب البلاد حرباً داخلية.
  • دبلوماسي سابق: الفيتو الأميركي دفع العصائب لتغيير موقفها في دعم الزيدي.
  • محلل سياسي: قاليباف أبلغ القادة الشيعة رفض طهران لتسليم السلاح. 

تشهد الساحة السياسية والأمنية العراقية تصعيداً متسارعاً بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي و قادة الفصائل العراقية المسلحة، يبرز هذا التصعيد في 3 تطورات رئيسية على الساحة الأمنية والعسكرية العراقية أولها، إخلاء سبيل القيادي في "حركة النجباء" عباس اليعقوبي بعد عدة أيام من اعتقاله، ثم تغيّر موقف "عصائب أهل الحق" من مسألة حصر السلاح بيد الدولة، تلاها تصاعد خطاب الفصائل الرافضة لتسليم السلاح ضد الزيدي.

ورغم نجاح الزيدي بإقناع عدد من الفصائل العراقية بضرورة تسليم السلاح وفك الارتباط بالحشد الشعبي، وإحداثه تغيرات نوعية على مستوى اعتقال المسؤولين المتورطين بقضايا متعلقة بالفساد المالي والإداري، إلا أن توقيف القيادي في "حركة النجباء" عباس اليعقوبي، يوم الثلاثاء الماضي، بتهمة تنفيذ عمليات عسكرية ضد المصالح الأميركية في العراق، كان بمثابة الخطوة قبل الأخيرة نحو الاقتتال العراقي الداخلي.

لماذا تم إطلاق سراح اليعقوبي؟

وكشفت مصادر خاصة مقرّبة من الزيدي لمنصة "المشهد"، أن "القادة السياسيين من بينهم قادة الإطار التنسيقي (كتلة صادقون – عصائب أهل الحق) أدركوا خطورة اعتقال اليعقوبي، خصوصاً بعد خروج مظاهرات في عدة مدن عراقية تطالب بإطلاق سراحه، ولتجنيب البلاد الاقتتال الداخلي تم تسليمه في 19 أغسطس إلى أمن هيئة الحشد الشعبي، التي عرضت ملفه على محكمة الكرخ، لتقوم بترئته في 20 أغسطس من جميع التُهم الموجهة ضده وتطلق سراحه".

وأكدت المصادر، أن "استمرار توقيف اليعقوبي كان سيُدخل البلاد في أزمة كبيرة، خصوصاً أنه قيادي بارز في "حركة النجباء" وهي من أكثر الفصائل الرافضة لتسليم السلاح، لذلك تدخّل زعيم "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي كوسيط بين "النجباء" والزيدي، وأخبر الأخير أن المسألة متعلقة بأمن البلاد الداخلي، ليجد الزيدي نفسه أمام خيار واحد وهو الموافقة على تسليم اليعقوبي إلى محكمة الكرخ لتتولى مهمة التحقيق معه".

وتعليقاً على هذه النقطة، يقول المحامي والمستشار في كلية القانون بجامعة المستقبل الدكتور أركان الحمداني لمنصة "المشهد"، إن "دائرة الاتهام لا تعني تنفيذ العقوبة أو تصديقها، لأن الاتهام شيء والتنفيذ شيء آخر، الكلمة الفصل هي لمحكمة التمييز التي تصدر قرارا فاصلًا وحاسمًا في الدعوى المطروحة، إضافة لصلاحية قاضي التحقيق إذا رأى أن الفعل غير مُعاقب عليه وأن المتهم لم يرتكب هذا الفعل فيحق له إطلاق سراحه".

العصائب تغيّر موقفها!

وتزامنت هذه التطورات، مع تصريحات صحفية لنائب رئيس كتلة صادقون (الجناح السياسي لعصائب أهل الحق) أحمد الموسوي عن اتخاذ موقف أكثر حذراً من تحركات الحكومة الحالية وتجاوزها التسلسل القانوني في اعتقال المنتسبين إلى الحشد الشعبي، مايعيد إنتاج الأزمات التي وقعت خلال حكومة مصطفى الكاظمي.

وانتقد الموسوي في حديثه، اختيار الجهة التي تنفذ عمليات الاعتقال، وغياب الضمانات التي تسبق تسليم الفصائل لسلاحها، وصولاً إلى رفضه المطالبة بتغيير رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض. ما أظهر تحولاً واضحاً في موقف العصائب السابق، حيث أعلنت في يوليو الماضي فك الارتباط بالتشكيلات التابعة للحشد الشعبي وحصر السلاح بيد الدولة العراقية وتشكيل لجنة لاستكمال الإجراءات.

ويقول رئيس المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية والدبلوماسي السابق غازي فيصل، لمنصة "المشهد"، إن "عصائب أهل الحق" هي جزء من المجموعة التنسيقية للمقاومة الإسلامية المرتبطة بفيلق القدس، وعندما رفضت الإدارة الأميركية مؤخراً تعيين أحد قادة العصائب كنائب لرئيس الوزراء في حكومة الزيدي التي يتم تشكيلها، أدرك قادتها أن هنالك فيتو أميركيًا مازال قائماً عليهم، سواء شاركوا بعمليات رمزية لنزع السلاح أو لم يشاركوا، لهذا السبب غيّروا موقفهم".

ولأنهم أدركوا أن أن تطبيق المادة 8 و9 من الدستور العراقي، التي تؤكد أن قرار الحرب والسلم بيد مجلس النواب والسلطة التنفيذية أي بيد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ليس بيد فصائل مسلحة يرتفع عددها إلى 74 فصيلًا مسلحًا. كل هذه الأسباب مجتمعة دفعتهم لتغيير موقفهم في دعم الزيدي بمسألة تسليم السلاح وحصره بيد الدول، بحسب فيصل.

الزيدي يشكو غياب الاحترام له وللدولة

ولم ينتهِ التصعيد السياسي العراقي عند العصائب، بل ازداد تعقيداً عندما كشف عضو لجنة الأمن والدفاع عن دولة القانون عثمان الشيباني، تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين الزيدي مؤخراً، وتحدث عثمان لوسائل إعلام محلية أن الزيدي أخبره أنه نادم على تولي رئاسة الوزراء ولوعاد به الزمن 3 أشهر ماضية لرفض هذه المهمة.

وكشف الشيباني، وجهة نظر الزيدي من مسألة السلاح، وأن بقاءه خارج سلطة الدولة سيعرّض العراق لعقوبات دولية قاسية ستطيح ببيع النفط والرواتب وتضع البلاد تحت الوصاية الدولية، شاكياً للشيباني غياب الاحترام له وللدولة.

وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أن تصريحات الشيباني الأخيرة أظهرت أن الزيدي يفتقر إلى الخبرة السياسية، ووضعت رئيس الوزراء في مكان حرج أمام مشكلة أمنية عسكرية معقدة، مادفع ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي لفرض عقوبات على الشيباني بعد كشفه عن تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين الزيدي. خصوصاً في هذه المرحلة الصعبة التي يجد الزيدي نفسه عاجزاً أمام تعقيداتها.

ومع تصاعد التوتر، وتظاهرات للفصائل المسلحة ضد اعتقال الزيدي لقياديين في الحشد الشعبي والميليشات المسلحة، سارعت قوى الإطار التنسيقي للتدخل كوسيط بين الطرفين، وأعلنت مراراً أن القوى الشيعية تقف إلى جانب الدولة في مسألة حصر السلاح لكن بالطرق السلمية وبشكل تدريجي تجنباً للاقتتال الداخلي، إلا أن خطاب الزيدي كان أكثر حدةً حيث أعلن أكثر من مرة أن 30 سبتمبر هو الموعد النهائي لنزع السلاح المنفلت والعودة للقانون العراقي، ماوصفه مراقبون بأنه يعكس ضعف خبرة الزيدي سياسياً وعجزه عن إدارك تعقيدات التسليح في المجتمع العراقي، فاصطدم بالواقع بدلاً من أن يساوم عليه منذ البداية.

إدارة السلاح بدلاً من نزعه

وكشفت المصادر ذاتها، أن مسألة التسليح التي يواجهها الزيدي لا يمكن أن تنتهي في الموعد المحدد، فالحشد الشعبي مؤسسة رسمية قانونياً تضم عناصر يحملون السلاح، والفصائل المسلحة التابعة لإيران أو المرتبطة بالقوى الشيعية العراقية شاركت في الحرب ضد تنظيم "داعش" عام 2014، ولديها مقبولية في الشارع العراقي، إضافة إلى سلاح العشائر التي تمتلك تقليدًا قديمًا في امتلاك السلاح، وسلاح البيشمركة المنقسم بين الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وترى المصادر، أن قوى الإطار التنسيقي لديها حنكة سياسية أسهمت في إنقاذ البلاد من الاقتتال الطائفي بعد اعتقال اليعقوبي، وتحاول دعم الزيدي بالطرق السلمية، لأن المواجهة المسلحة المحتملة نهاية سبتمبر المقبل ستؤدي لحالة من الفوضى الداخلية وتجلب المزيد من الصراعات الدموية إلى البلاد.

وهذا ما دفعها بحسب المصادر، لطرح مقترح على الزيدي وهو تغيير مصطلح نزع السلاح كونه يستفز الفصائل المرتبطة عقائدياً بطهران، إلى مصطلح إدارة السلاح، كطوق نجاة للجميع أي أن السلاح سيبقى لدى الفصائل لكن يُدار من جهة معينة تابعة للقائد العام للقوات المسلحة.

طهران تصعد الأزمة العراقية

وفي سياق متصل، يقول المحلل السياسي ياسين عزيز لمنصة "المشهد"، إن الجماعات المسلحة أعلنت عن استعدادها لتسليم السلاح أو حصره بيد الدولة، لكن العملية لم تكن وفقاً للسياقات القانونية  والأصولية فمثلاً لم تسلم سلاحها لوزارة الدفاع الاتحادية أو قيادة العمليات المشتركة، كما أنها سلّمت أسلحة رمزية خفيفة واحتفظت بالأسلحة المتوسطة والثقيلة.

لكن، بحسب عزيز، مع زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف الأخيرة إلى بغداد، أبلغ قادة الإطار التنسيقي أن طهران غير موافقة على تسليم السلاح في ظل استمرار التوترات في المنطقة وبقاء التهديد الأميركي قائماً، مادفع "عصائب أهل الحق" وهي الراعي الرسمي لمسألة تسليم السلاح إلى تغيير موقفها إلى حد ما. 

(المشهد)