غزّيون لـ"المشهد": نتعرض للإذلال والقتل عند تسلّم المساعدات

شاركنا:
اليونيسيف: نظام المساعدات الإسرائيلي الجديد لغزة كارثة (رويترز)
هايلايت
  • شهود عيان: تعرضنا للأذى، وعايشنا ظروف مهينة وغير إنسانية.
  • خبراء: حالة فوضى المساعدات في غزة فضحت نوايا إسرائيل وأفشلت مخطط التهجير. 
  • مؤسسة غزة الإنسانية تقول إنها وزعت حتى الآن نحو 1838182 وجبة.

"وصلت منذ ساعات الصباح الباكر، رغم صعوبة الأوضاع الأمنيّة والميدانيّة لمركز توزيع المساعدات في رفح، لكن المشهد كان مرعباً من أعداد الناس الجائعة واليائسة، وطريقة المعاملة الفظّة بحقنا"، هكذا وصف صالح نبهان الوضع أمام مراكز المساعدات في غزة.

وعبر الشاب الفلسطينيّ الثلاثينيّ لمنصة "المشهد" عن سخطه وإحباطه الشديد من آليّة توزيع المساعدات الغذائية، التي جرت في رفح واعتبرها تكريساً للتجويع من خلال تجربته.

ويمضى بالقول، "التدافع كان سيد الموقف، والتكدّس لايحتمل، وقفت لساعات طويلة ولم أحصل على أيّ شيء، كغيري مثل آلاف الناس، هذا المشروع فاشل تماماً منذ اللحظة الأولى، لقد شاهدت طروداً غذائية صغيرة تم توزيعها بالكاد تكفي لشخص أو شخصين من أفراد العائلة".

تحت وطأة التجويع الإسرائيلي القاتل بحق 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة، تتفاقم الأزمة الإنسانية وتتعمق مرارة التجويع الإسرائيلي بحق الكبار والصغار، فعمليّة توزيع المساعدات الغذائية التي يشرف عليها الجيش الإسرائيلي، وتديرها شركة خدمات أميركية باءت بالفشل، وخرجت الأمور عن السيطرة وسادت حالة من الفوضى، والتي أودت بحياة فلسطينيّين بنيران الجيش الإسرائيلي، وجرح واعتقال واختفاء آخرين.

المشاهد المصورة والتي ظهرت تباعاً لنقطة توزيع المساعدات الخاصّة "بمؤسسة غزة للإغاثة الإنسانية" المرفوضة أممياً وتتعرض لانتقادات شديدة، أثارت موجة غضب عارمة في طريقة التعامل والتوزيع، وتتهم دولياً بتأجيج الترحيل القسري للفلسطينيين، وخلق المزيد من العنف والتجويع.


جوع وإذلال

والحال ذاته ينطبق على الفلسطيني، خليل مرجان، (56) عاماً، الذي يصفُ ما عايشه بأسلوب لتعميق الجوع والإذلال الكامل، وانعدام المعايير الإنسانية، واشتكى لمنصة "المشهد" من بعد مركز التوزيع في رفح، وعدم توّفر المواصلات، وتضاعف أسعار التنقل تحت خطر الرصاص والقصف، يضيف قائلاً "الحاجة الماسّة أجبرتني أن أسير على أقدامي لأكثر من 3 ساعات، لتلبية احتياجات أطفالي الجوعى".

وأضاف مرجان "فشلت في الحصول على المساعدة، بفعل التدافع والازدحام، وتعرضنا لوابل مرعب من إطلاق النار والرصاص الإسرائيلي صوبنا، للحظة كنت سأفقد حياتي، تأملت خيرًا بأن أعود بطرد مساعدات لأسرتي التي تنتظرني، لكنّني لم أتمكّن، لقد نفذ الطعام ونحن نعتمد على طعام التكايا الذي لا يسد الرمق".

وعلى الأرض، يدلُّ المشهد الميدانيّ بأن الآليّة المعتمدة لتوزيع المساعدات، تفتقر للتنظيم ومراعاة ظروف أهالي القطاع ومعاناتهم من ويلات الحرب، الذين أجبروا على المشي لعشرات الكيلومترات في ظروف خطيرة وشاقّة، نحو النقطة الأميركية الإسرائيلية، التي أُقيمت في مدينة رفح الحدودية المعزولة، والبعيدة عن مناطق السكن والإيواء.

ولمتابعة القضية المستجدة، أفاد نشطاء لمنصة "المشهد" بأنّ، "طريقة التوزيع امتهان لكرامة الإنسان، وتم التعامل مع الجميع بهمجيّة، واستهدافهم بعشوائيّة"، وأشار شهود عيان لـ"المشهد" إلى أن "الطرود الغذائية لا ترقى لحجم العناء والمخاطرة بالأرواح، فالمواد الغذائية شحيحة وغير كافية، وينقصها الكثير من المواد، كمستلزمات المرضى والأطفال".

معسكرات الفصل العنصري

تكشف السيدة الفلسطينية الأربعينية داليا قيشاوي لمنصة "المشهد" التي انطلقت مع شفق النهار في رحلة شاقة صوب منطقة التوزيع في مدينة رفح، عن جحيم وهول الإجراءات العنصرية التي مرت بها لتسلم الطرد الغذائي، تقول "وسط إجراءات أمنية مشددة، وكاميرات مراقبة، أجبرونا على دخول ممرات وأسلاك شائكة، وأقفاص معدنية ضيقة عبر مجموعات متتالية تم تفتيشنا بدقة بالغة، وبطريقة مهينة للعقل البشري".

وتتابع السيدة قيشاوي لـ"المشهد" أن الطرد الغذائي الذي حصلت عليه بشقّ الأنفس "عبارة عن صندوق من الكرتون صغير ومحدود، ولا يلبي الحد الأدنى من المستلزمات الأساسية التي تحتاجها العائلة، يحتوي على كميات قليلة الحجم من الطعام، أشبه بالعينات، بدون أرز أو حليب للأطفال".


شهادة أخرى تحصل عليها منصة "المشهد" حول تردي ظروف الوصول لنقطة التوزيع، والطريقة السادية في التعامل مع عشرات الآلاف من الفلسطينيين، إذ يقول الفلسطيني أحمد العارف (62) عاماً، "أجبرت وأغلبية الأهالي على السير بالجوع والعطش لعشرات الكيلومترات، على طرقات مدمرة للوصول إلى نقطة التفتيش الإسرائيلية الأميركية من أجل استلام المساعدات الغذائية، تلك النقطة أشبه بسجن ومعسكر جيش لإهانة البشر من كل النواحي".

وقال العارف لمنصة "المشهد": "انعدام النظام من قبل الشركة الأميركية الإسرائيلية، قاد لحالة من التدافع والفوضى بين الجوعى المحرومين من كل شيء، ومكان التوزيع معزول ويفتقر للبنية التحتية، وهذا أدى لاحتقان وقاد لمواجهات فتدخلت القوات الإسرائيلية بأسلحتها الرشاشة، كانت لحظات مريرة وعصيبة، لن أكررها مرة أخرى في حياتي، رغم الحاجة الماسة".

أفادت وزارة الصحة في قطاع غزة، بوقوع 9 قتلى وأكثر من 60 مصابًا في 48 ساعة بنيران الجيش الإسرائيلي، قرب مراكز مساعدات الشركة الأميركية برفح.

ووفق وكالة الصحافة الفلسطينية (صفا)، "يأتي ذلك في حين يواصل الاحتلال إغلاقه المعابر ومنعه إدخال المساعدات في ظل شبح المجاعة الذي أودى بحياة عدد من أطفال القطاع".

كما أفادت مصادر طبية بمقتل 14 فلسطينيًا على الأقل من جرّاء الغارات الإسرائيلية المتواصلة على قطاع غزة منذ فجر اليوم الخميس.


نوايا إسرائيل

من جانبه، يرى المحلل السياسي الذي يعيش في قطاع غزة إياد القرا، أن المشروع الأميركي الإسرائيلي انهزم، ووجّه الفلسطينيون ضربة في صميم مشروع عربات جدعون.

وأوضح القرا في حديثه مع "المشهد": "إسرائيل تخطط لإخراج صورة إعلامية لتسليم المساعدات لأهالي قطاع غزة، لتعزيز بديل عن دور وكالة "الأونروا" والمؤسسات الدولية وسحب شرعيتها، لكن مشهد تدافع الآلاف من الفلسطينيين المجوّعين بفعل الحرب الإسرائيلية والحصار، قلب الحسابات الإسرائيلية رأساً على عقب، وظهرت صورة الفشل في إدارة أهالي القطاع، وتهجيرهم قسراً، والحيلولة دون تمرير المخططات الإسرائيلية الخبيثة".

وتابع "إسرائيل تستخدم سلاح التجويع كأداة رئيسية ومركزية لتنفيذ الإبادة الجماعيّة بحق الفلسطينيّين في قطاع غزة من أجل القضاء عليهم دفعة واحدة كجماعة، لا يمكن أن تكون جانباً في العملية الإنسانية بأي شكل من الأشكال، حيث أن إشراكها في تنظيم المساعدات، والإشراف على إيصالها او توزيعها، سيقود لتحويلها لوسيلة للسيطرة على مصير ومستقبل الفلسطينيين بالقطاع، وفرض مناخات طاردة وخيارات قسرية لطردهم وتهجيرهم من أرضهم".

(المشهد - القدس)