لندن تلاحق اللاجئين.. سياسة الردع البريطانية تفاقم مآسي المانش

آخر تحديث:

شاركنا:
بريطانيا تغلق مسارات اللجوء الآمنة وتترك الفارين لقوارب الموت (أ ف ب)
هايلايت
  • بريطانيا لا توفر بعد مسارات قانونية واسعة وسريعة توازي حجم أزمة الهجرة.
  • خبير في شؤون الهجرة واللجوء: سياسات تحصين الحدود لمنع الهجرة غير النظامية أثبتت محدودية فاعليتها.
  • محللون: انتهاء الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا قد يفاقم المخاطر على اللاجئين والمهاجرين.

تتعهد بريطانيا بتمويل تشديد الرقابة على السواحل الفرنسية بأكثر من 660 مليون جنيه إسترليني، بينما تظل مسارات اللجوء الآمنة التي تتيحها محدودة. فهل تستهدف لندن شبكات التهريب، أم تجعل الوصول إلى الحماية أصعب وأخطر؟ ومن يتحمل مسؤولية المخاطر التي يدفع إليها طالبو اللجوء؟

الاعتراض لا يأتي من المنظمات الحقوقية وحدها. فقد قال وزير الداخلية الفرنسي إن بلاده لا تستطيع تحمل مسؤولية ضبط الحدود وحدها، داعيا إلى مقاربة أوروبية أوسع، ومشيرا إلى أن فرص العمل في بريطانيا تجعلها وجهة جاذبة للمهاجرين.

كما خلص تحقيق برلماني فرنسي إلى أن ترتيبات الحدود مع لندن مختلة التوازن، ودعا إلى رقابة برلمانية عليها ووقف استخدام الأسلحة والغاز المسيل للدموع لمنع المغادرين من الشواطئ. وحذّرت منظمة أطباء بلا حدود من أن التمويل المشترك وتشديد الاعتراضات والاحتجاز قد يعرّض المهاجرين للعنف والحرمان، ويزيد آثار رحلتهم النفسية.

اتفاق "واحد مقابل واحد"

في الأول من أكتوبر، انتهى الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا، بعد 423 يوماً من العمل. وكان يتيح للسلطات البريطانية إعادة بعض طالبي اللجوء الذين وصلوا عبر القوارب إلى فرنسا، مقابل استقبال أشخاص منها عبر مسار قانوني. وعند انتهاء التجربة، قالت السلطات الفرنسية إن 951 شخصاً أُعيدوا إليها، مقابل دخول 935 شخصاً إلى بريطانيا. ولم تمدد باريس الاتفاق، فيما قالت لندن إن مشكلات التنفيذ حالت دون توسيعه.

ولم يوقف انتهاء الاتفاق محاولات العبور. ففي 6 أيام بين 2 و7 أكتوبر، وصل 1,739 شخصاً إلى بريطانيا على متن 23 قارباً، وفق الأرقام التي أوردها تقرير "الغارديان". وفي المقابل، تراجعت أعداد القادمين بالقوارب بأكثر من 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ولا ينسب التقرير هذا الانخفاض إلى إجراءات الحكومة وحدها، بل يرجّح أن يكون نتيجة عوامل عدة، منها الطقس وتراجع الهجرة غير النظامية إلى أوروبا.

أزمة اللجوء أوسع من القوارب

تُظهر البيانات الرسمية أن عدد طالبي اللجوء في بريطانيا بلغ 85,891 في السنة المنتهية في يونيو 2026، بانخفاض 21% عن السنة السابقة، لكنه ظل أعلى من المستويات السنوية المعتادة بين عامي 2003 و2022. وشكّل القادمون بالقوارب 33,949 شخصاً، أي 40% من طالبي اللجوء المسجلين. بينما دخل 34,999 شخصاً بتأشيرة أو إذن إقامة قبل تقديم طلباتهم. وعلى مستوى أوروبا، استقبلت بريطانيا خامس أكبر عدد من طالبي اللجوء، لكنها جاءت في المرتبة السادسة عشرة عند مقارنة الأعداد بعدد السكان. وتكشف هذه الأرقام أن التركيز السياسي على القوارب لا يعكس وحده صورة اللجوء في بريطانيا.

تقول منظمة "يوتوبيا 56"، التي تراقب تدخلات الشرطة على الشواطئ الفرنسية، إن حالات العنف التي وثقتها ارتفعت 40% بين أبريل وأغسطس 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وهذه زيادة تقديرية تزامنت مع التمويل البريطاني، لكنها لا تثبت وحدها أن التمويل تسبب فيها. وترى أطباء بلا حدود أن فرقها رصدت أضراراً جسدية ونفسية ناجمة عن العنف والمضايقات.

وتوفي طفل في العاشرة وامرأتان خلال محاولة عبور المانش في 28 سبتمبر، ثم توفي رجلان في 5 أكتوبر بعد تعثر قارب آخر قبالة الساحل الفرنسي. وتقول المنظمة الدولية للهجرة إن 225 شخصاً على الأقل لقوا حتفهم أثناء محاولات العبور منذ عام 2018. ولا تثبت هذه الوفيات أن سياسة بريطانية بعينها تسببت في كل حادث، لكنها تضع فاعلية الردع موضع تساؤل: هل خفّضت الإجراءات المخاطر، أم دفعت بعض طالبي اللجوء إلى طرق أشد خطراً؟

سياسات تحصين الحدود

ويرى الخبير في شؤون الهجرة واللجوء سعيد الصديقي أن سياسات تحصين الحدود وتجهيزها بأحدث تقنيات المراقبة قد تحد من الهجرة غير النظامية، لكنها لا توقفها، بل تدفع بعض المهاجرين إلى البحث عن مسارات بديلة قد تهدد حياتهم. وأضاف، في حديث لـ"المشهد"، أن السياسة البريطانية "تجعل عملية العبور أصعب وأكثر خطورة" بدلاً من أن تحل المشكلة.

ويجد هذا الرأي سندا في أبحاث عالم الاجتماع الهولندي هاين دي هاس، الذي خلص في دراسة عن سياسات الهجرة وعسكرة الحدود الأميركية والأوروبية إلى أنها لم تحدّ من الهجرة بدرجة ملموسة، بل عززت الاعتماد على مسارات غير نظامية أشد خطراً وكلفة.

ولا تقتصر الانتقادات على منع المغادرة، إذ وثّقت جهة صحية فرنسية 90 حالة لأشخاص أُعيدوا إلى فرنسا بموجب الاتفاق بين يناير ويونيو، وقالت إنها رصدت كدمات وكسورا وآثارا نفسية، بينها حالات مرتبطة بالتقييد أو الاحتجاز المطول. وقدمت الجهة نتائجها إلى تحقيق برلماني فرنسي. في المقابل، قالت وزارة الداخلية البريطانية إن المحتجزين يحصلون على الرعاية الصحية، وإن من لا يكون لائقاً للسفر لا يُعاد.

وتقول لندن إنها تعمل على إنهاء استخدام فنادق اللجوء. ففي نهاية يونيو، كان 16,021 شخصا، أي 17% ممن يتلقون دعماً ضمن نظام اللجوء، يقيمون في فنادق. وأعلنت وزارة الداخلية إغلاق مزيد منها، مع الاتجاه إلى استخدام مواقع عسكرية ومساكن أساسية. لكن نقل طالبي اللجوء من الفنادق إلى مواقع أخرى لا يعالج وحده تأخر الملفات أو محدودية المسارات القانونية.

هجرة مستمرة رغم التشديد

من جهته، كشف الباحث في شؤون اللاجئين نادر حلبوني أن "محاولات أوروبا منع وصول اللاجئين والمهاجرين تكررت منذ سقوط الحكم الشيوعي في ألبانيا عام 1990، مروراً بحروب البوسنة والعراق وأفغانستان والصومال، وصولاً إلى المأساة السورية، من دون أن تنجح في وقف الهجرة. ويعزو ذلك إلى عوامل عدة، منها تعاطف المجتمعات مع اللاجئين، وحاجة دول أوروبية إلى العمالة، وخصوصا في قطاعات تعتمد على أيدٍ عاملة منخفضة التكلفة".

ويحذّر حلبوني في حديث لـ"المشهد" من أن "انتهاء الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا قد يفاقم المخاطر على اللاجئين والمهاجرين، نظراً إلى خطورة عبور بحر المانش والمسافة والظروف الجوية".

ويرى حلبوني أن "تشديد الرقابة ونشر الكاميرات والطائرات المسيّرة ورفع كلفة التنقل لا يوقف محاولات الوصول، بل قد يرفع كلفة الرحلة ويزيد أرباح المهربين"، داعيا إلى "فتح مسارات قانونية وآمنة لاستقدام العمالة، وحماية اللاجئين، ومعالجة أسباب الهجرة بحلول مستدامة بدلاً من الاكتفاء بإجراءات إسعافية مؤقتة".



(المشهد)