عقب الاتفاق التاريخي الذي جرى التوصل إليه في مدينة شرم الشيخ المصرية، بانتهاء حالة الحرب في قطاع غزة، والبدء في عمليات إعادة الإعمار، تثار التساؤلات حول إعادة الإعمار في القطاع، خصوصًا وأن البنية التحتية تدمرت بشكل شبه كامل، وكذلك تساؤلات حول التأثيرات الاقتصادية في الداخل الإسرائيلي عقب انتهاء الحرب، في ظل تكلفة باهظة تكبدها الاقتصاد الإسرائيلي نتيجة استمرار الحرب لمدة عامين.
الوضع الميداني يكشف أن 90% من البنية التحتية والأساسية في قطاع غزة تهدمت بشكل كبير، وسط توقعات بأن الخسائر المادية تصل لأكثر من 70 مليار دولار، وفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، الأمر الذي يتطلب إعادة تهيئة كاملة للمناطق المتضررة جراء عمليات القصف العشوائي.
في المقابل، خفض بنك إسرائيل مجددا مطلع أكتوبر الجاري، توقعاته لنمو الاقتصاد لعام 2025 إلى 2.5% فقط، وهو ما يعادل تقريبًا نصف التوقعات المتفائلة الصادرة في أبريل 2024 التي كانت عند 5% نتيجة الحرب، وسط توقعات أقل تفاؤلًا بأن الاقتصاد لن يحقق أكثر من 2 % نتيجة تأثيرات الحرب على القطاعات الاقتصادية الإسرائيلية وفق ما أفادت به صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
كما كشف بنك إسرائيل، الكلفة الإجمالية للحرب بنحو 330 مليار شيكل (100 مليار دولار)، ما يعني 111 ألف شيكل (33.6 ألف دولار) لكل أسرة إسرائيلية.
آثار الحرب على اقتصاد إسرائيل
تداعيات الحرب على الوضع الاقتصادي في الداخل الإسرائيلي ليست هينة، لكن الدعم الأميركي خفف من حدة هذه التأثيرات، ومع توقف الحرب وعودة الأمور للعمل بشكل طبيعي سيكون هناك نتائج إيجابية عدة، بحسب الباحث في الشأن الإسرائيلي محمود كاظم.
وأضاف في حديث مع منصة "المشهد" أن المرحلة الماضية شهدت تخبطا اقتصاديا واضحا في قطاعات السياحة والطيران والاستثمار نتيجة الحرب، موضحًا عددا من النقاط:
- امتدت تأثيرات الحرب إلى قطاعات رئيسية مثل العقارات، والتوظيف، والصناعة والسياحة.
- فقدان النشاط الاقتصادي شكل ضغطا فوريا على الاحتياطيات والقدرة المالية لإسرائيل.
- القطاع العقاري فقد زخمه من جراء الحرب، لذلك فإن توقف الحرب وعودة النشاط بشكل جزئي سيعيد عشرات الآلاف من الوظائف مرة أخرى في القطاع العقاري والقطاعات الاقتصادية والصناعية المرتبطة به.
- عودة الأنشطة الاقتصادية في الداخل الإسرائيلي قد تتطلب قرابة 8 أشهر، وهذا يعني أن التضخم والفائدة سيشهدان تطورات ملحوظة حتي النصف الأول من 2025.
وكشفت مصلحة التشغيل عن حالة من الجمود في عدد العاملين منذ مطلع 2025 داخل إسرائيل، إذ لم يسجل الاقتصاد نموًا يتناسب مع زيادة عدد السكان، وبلغت نسبة البطالة 3% من إجمالي القوى العاملة، في حين وصل عدد العاطلين عن العمل 186.1 ألف شخص حتى نهاية أغسطس 2025.
التعافي من آثار الحرب
ويعود كاظم للتأكيد على أن التعافي من آثار الحرب، سيرتبط أيضًا بعودة الفارين من إسرائيل لدول أخرى سواء في اليونان أو قبرص أو أوروبا والولايات المتحدة، خصوصًا أن وعدد كبير منهم يمتلك رؤس أموال وأنشطة اقتصادية متنوعة، الأمر الذي يجعل من عودتهم داعم كبير للتعافي الاقتصادي.
وشدّد على أن الاستثمارات الأجنبية والصفقات التجارية سجلت تباطؤًا ملحوظًا، ما أثر على قدرة الشركات الناشئة على توسيع نشاطها وتمويل مشاريعها في إسرائيل وهنا مع توقف آلة الحرب، فقد نشهد عودة أخرى للاستثمارات الأجنبية في إسرائيل لكن الأمر قد يستغرق شهورا عدة، حتى تظهر التأثيرات المباشرة على الوضع الاقتصادي الداخلي.
وتوقع الباحث أن تعود الصادرات الإسرائيلية إلى النمو مرة أخرى في عام 2025، بعيدًا عن الصادرات الدفاعية أو المرتبطة بالصناعات العسكرية، والتي تصدرت بقوة في عام 2024 والنصف الأول من 2024.
تحديات إزالة حطام غزة
وفي السياق ذاته، يتوقع عضو اتحاد منتجي ومصدري مواد البناء الدكتور كمال محمد الدسوقي، أن تتطلب إعادة البناء والعمران في غزة من 5 إلى 7 سنوات، مشدّدًا على أن التكلفة ستكون باهظة جدًا، خصوصًا أن إعادة بناء خطوط الصرف والكهرباء والمياه والمباني والطرق هي أزمة كبرى للغاية، إذ ترتبط بإزالة حطام الحرب.
ويضيف الدسوقي أن "ملايين الأطنان من المخلفات الصلبة ستتطلب شهورا طويلة لإزالتها، فإذا جرى البدء الفوري في إزالة الحطام والكتل الخرسانية، فإننا بحاجة إلى 5 أشهر من العمل المستمر لتهيئة الأجواء والأرض لبدء عمليات الحفر والبناء وأعمال المقاولات العمومية".
خطة مصر لإعادة الإعمار
وخلال نهاية الربع الأول من العام الجاري، أعلنت مصر عن خطة طموحة لإعادة إعمار قطاع غزة بتكلفة تقديرية تبلغ 53 مليار دولار، وذلك بدعم عربي كامل وبالتنسيق مع الجهات الدولية.
وسيتم وفقًا للخطة المطروحة، تنفيذ المشروع على مرحلتين رئيسيتين:
- الأولى هي مرحلة "التعافي المبكر" والتي ستستمر لمدة 6 أشهر.
- الثانية هي مرحلة "إعادة الإعمار" التي ستستغرق 5 سنوات.
وسيتم في المرحلة الأولى، إزالة ما يقدر بـ50 مليون طن من الركام، وتركيب مساكن مؤقتة، وترميم 60 ألف وحدة سكنية مدمرة جزئيًا. أما المرحلة الثانية، فستشمل بناء 200 ألف وحدة سكنية جديدة لاستيعاب 1.6 مليون شخص، بالإضافة إلى إنشاء مطار وميناء تجاري ومناطق صناعية ولوجستية وفنادق على الشاطئ.
ويؤكد الدسوقي أن "الإعمار سيكون في مراحل عدة تركز على المرافق الصحية والحيوية وإعادة تهيئة المستشفيات وبعضها تدمر بشكل نهائي، الأمر الذي سيتطلب البناء بشكل كامل وهو تحد كبير للشركات التي ستعمل على إعادة الإعمار".
(المشهد)