الغرب يصعّد ضد "الإخوان".. تفكيك الشبكات ومحاصرة النفوذ

آخر تحديث:

شاركنا:
تصاعد الحملة ضد "الإخوان" في الغرب والولايات المتحدة لتقويض نفوذهم (أ ف ب)
هايلايت
  • استدارة أوروبا وأميركا تجاه "الإخوان" يتجاوز كونه مجرد انعكاس لمقاربة أمنية محدودة أو مؤقتة.
  • صنّف حاكم فلوريدا أكثر من 90 جماعة ومنظمة باعتبارها إرهابية، بينها جماعة "الإخوان".
  • مراقبون: مراقبة الجمعيات والشبكات ومصادر التمويل هي لفهم الروابط التي يمكن أن تحول النفوذ الديني والاجتماعي إلى تأثير سياسي مستدام. 

لم تعد استدارة عدد من العواصم الأوروبية وكذلك الولايات المتحدة، تجاه جماعة "الإخوان" مجرد انعكاس لمقاربة أمنية محدودة أو مؤقتة بفعل موجات العنف والإرهاب الطارئة، مؤخرًا، إنما انكشاف الارتباطات المباشرة والصلات العضوية مع التيارات الجهادية وعدم وجود تباينات بين تيارات الإسلام السياسي في نسختيها السنية والشيعية.

مراجعة أوسع

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن هذه الانعطافة تبدو أقرب إلى مراجعة أوسع لفرضية، سياسية وبراغماتية، حكمت جانبًا من التعاطي الغربي مع الإسلامويين لأعوام، مفادها إمكانية احتوائهم عبر الإدماج، وتحويلهم، تدريجيًا، إلى فاعل سياسي ديمقراطي، وفصل المجال الدعوي عن النشاط السياسي أو العسكري الفصائلي أو عن التيارات الأكثر عنفًا.

لكن هذه الفرضية تواجه اليوم مراجعة متزايدة، مع انتقال الاهتمام من سلوك التنظيمات المباشر إلى شبكاتها الاجتماعية والمؤسساتية ومصادر تمويلها وقدرتها على بناء نفوذ داخل المجتمع المدني، والتهديد بـ"الانعزالية" و"الانفصالية" كما تشير المصادر ذاتها، بما يهدد قيم وأسس المدنية والمواطنية في الغرب.

منظمة إرهابية

صنّف حاكم فلوريدا رون ديسانتس ومجلس وزراء الولاية، مؤخرًا، أكثر من 90 جماعة ومنظمة باعتبارها إرهابية، بينها جماعة "الإخوان" ومجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير).

وجاء القرار استنادًا إلى قانون جديد دخل حيز التنفيذ مطلع يوليو، ويمنح ولاية فلوريدا صلاحية تصنيف منظمات باعتبارها إرهابية، مع فرض قيود على حصولها على تمويل حكومي. وبموجب القانون، تُحرم المدارس المرتبطة بالمنظمات المصنفة من بعض برامج المنح الدراسية الحكومية، كما يحظر على الجامعات والكليات الحكومية استخدام أموال الولاية أو الأموال الفيدرالية لتمويل برامج أو أنشطة تروّج لهذه المنظمات.

تغيير في السياسات

وفي حديثها لمنصة "المشهد"، قالت الأكاديمية التونسية المتخصصة في علم اجتماع الأديان صابرين الجلاصي، إن التحول المتزايد في عدد من الدول الغربية تجاه جماعة "الإخوان" وشبكات الإسلام السياسي لا يمكن تفسيره باعتباره مجرد تغيير في السياسات الأمنية أو نتيجة مباشرة لتراكم أحداث العنف، وإنما يعكس تحولًا أعمق في نظرة هذه الدول إلى العلاقة بين الدين والمجتمع المدني ومصادر النفوذ داخل المجتمعات الغربية.

وأوضحت الجلاصي لـ"المشهد" أن المقاربة الغربية السابقة تجاه الإسلام السياسي قامت، بدرجات متفاوتة، على افتراض أن إدماج الإسلامويين في المؤسسات السياسية والمجتمع المدني يمكن أن يدفعهم تدريجيًا نحو تبني قواعد الديمقراطية والمنافسة السياسية، والانتقال من منطق التنظيم العقائدي إلى منطق العمل السياسي والمؤسساتي.

"لكن التجربة أظهرت أن الاندماج داخل المؤسسات لا يؤدي بالضرورة إلى تفكيك البنية الأيديولوجية، بل قد يمنحها في بعض الحالات أدوات جديدة لإعادة إنتاج نفسها داخل المجتمع. فالتنظيم، وفق هذا التصور، لا يحتاج إلى السيطرة المباشرة على الدولة حتى يصبح مؤثرًا فيها، وإنما يستطيع بناء نفوذ تدريجي عبر شبكات العلاقات والولاءات والمؤسسات والخطابات"، بحسب ما توضح الجلاصي.

المقاربات الغربية

لهذا، ترى أن السؤال في المقاربة الغربية الجديدة لم يعد يقتصر على معرفة "من يملك القرار السياسي؟"، بل أصبح يتجه إلى سؤال أوسع: "من يملك القدرة على تشكيل الأشخاص والأفكار والهويات التي ستشارك مستقبلًا في صناعة القرار؟".

وأضافت أن أهمية هذا التحول تكمن في أن "الإخوان" لم يعودوا يُنظر إليهم، في بعض المقاربات الغربية، باعتبارهم تنظيمًا هرميًا يمكن تحديد أعضائه ومتابعة نشاطه فقط، وإنما باعتبارهم شبكة قادرة على العمل عبر مساحات اجتماعية متعددة، مثل المساجد والجمعيات والمدارس والأسرة والجامعات والعمل الخيري والنشاط الثقافي والسياسي، فضلًا عن المنصات الرقمية.

وبحسب الجلاصي، فإن مصدر القلق بالنسبة إلى بعض الدول الغربية لم يعد مجرد وجود تنظيم سياسي منافس، وإنما احتمال تشكل شبكات اجتماعية قادرة على إنتاج مرجعيات وقواعد انتماء مستقلة نسبيًا عن مؤسسات الدولة، بحيث تصبح الجماعة مصدرًا رئيسًا لتحديد المواقف والقيم والحدود بين ما هو مقبول وما هو مرفوض.

إذ إن المسألة هنا، والحديث للمصدر ذاته، تتجاوز النفوذ السياسي المباشر إلى ما يمكن تسميته بـ"النفوذ الرمزي"، أي القدرة على التأثير في الطريقة التي يفهم بها الأفراد واقعهم الاجتماعي والديني والسياسي، وفي المرجعيات التي يستندون إليها في تشكيل مواقفهم.

مساحة مستقلة

وأضافت الباحثة التونسية المتخصصة في علم اجتماع الأديان أن اهتمام بعض الحكومات الغربية في الوقت الراهن بمراقبة الجمعيات والشبكات ومصادر التمويل والتمثيل لا يرتبط بكل مؤسسة على حدة، وإنما بمحاولة فهم الروابط التي يمكن أن تحول النفوذ الديني والاجتماعي إلى تأثير سياسي مستدام.

ولفتت إلى أن هذا التحول انعكس أيضًا على نظرة الدولة الغربية إلى مفهوم المجتمع المدني. فبعدما كان يُنظر إليه باعتباره مساحة مستقلة نسبيًا عن الدولة، تستوعب تعدد المصالح والهويات، باتت بعض الحكومات أكثر حذرًا من الشبكات الدينية العابرة للحدود، خصوصًا عندما تمتلك موارد خارجية أو خطابًا يتجاوز الحدود الوطنية.

بالتالي، برزت في الخطاب السياسي والأمني الغربي مفاهيم مثل "الانفصالية" و"المجتمع الموازي" و"التغلغل"، وفق المصدر ذاته، وهي مفاهيم تعكس انتقال الاهتمام من سلوك التنظيمات إلى تأثيرها المحتمل في البنية الاجتماعية للمجتمع.

شبكات "الإخوان"

وأكدت أن نجاح المقاربة الغربية الجديدة لن يقاس فقط بمدى قدرتها على تفكيك شبكات "الإخوان"، وإنما أيضًا بقدرتها على الحفاظ على تمييز واضح بين التنظيم السياسي والأيديولوجي، من جهة، وبين الدين والمواطنة والتعددية الاجتماعية، من جهة أخرى.

وختمت الجلاصي حديثها موضحة أن جوهر التحول في الغرب لا يتمثل فقط في الانتقال من "الحوار" إلى "المواجهة"، وإنما في الانتقال من مراقبة التنظيم إلى مراقبة الشبكات التي يعمل من خلالها، ومن التركيز على العنف إلى بحث القدرة على إنتاج النفوذ والشرعية، ومن الصراع على الدولة إلى صراع أوسع على المجتمع نفسه.

دور وظيفي

ومن جهته، قال الباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي طارق أبو السعد، إن "الإخوان" اضطلعت منذ تأسيسها بدور وظيفي محدد، اختلفت طبيعته باختلاف المراحل السياسية في المنطقة والعالم.

وأوضح أبو السعد لـ"المشهد" أن الجماعة الأم للإسلام السياسي، التي تأسست في أواخر عشرينيات القرن الماضي، كان لها دور وظيفي محدد يختلف باحتلاف الأوضاع السياسية، الإقليمية والدولية، لكن الثابت هو سعيها المحموم نحو التمكين السياسي والحكم.

وتابع أن الجماعة اضطلعت، خلال السبعينيات والثمانينيات، بدور وظيفي تمثل في تضخيم بعض الأفكار وتوسيع حضور جماعات إسلامية أكثر تشددًا، من بينها الجماعات الجهادية، من دون الدخول معها بالضرورة في صراع مباشر، وإنما عبر تقديم أشكال من الدعم والتبرير والمساندة لعناصرها.

خطاب "المجاهدين"

ورأى أبو السعد أن هذا السياق أسهم في تكريس حالة من عدم المواجهة المباشرة بين "الإخوان" وتلك الجماعات، بما سمح باستمرار خطاب "المجاهدين" وتوفير بيئة فكرية واجتماعية مساندة له، كما هو الحال في فترة الانخراط المسلح في أفغانستان ضد الاتحاد السوفياتي.

هذا التصور لم يكن منفصلًا عن علاقات أقامتها الجماعة مع شخصيات ومؤسسات ودوائر غربية، وفق أبو السعد، وقال: "الجماعة سعت، عبر هذه العلاقات، إلى ترسيخ صورتها باعتبارها طرفًا يمكن التعامل معه وبديلًا محتملًا في حال حدوث تغيير سياسي في مصر كما بالمنطقة، الأمر الذي برز لاحقًا في مرحلة ما بعد 2011".

ولهذا انتقل "الإخوان" خلال العقود الأخيرة إلى التوغل بصورة أكبر داخل المجتمعات الأوروبية والأميركية، ولم تعد تلك المجتمعات بالنسبة إليهم مجرد "ملاذ آمن"، وإنما أصبحت ساحات للعمل والتأثير ومحاولة بناء النفوذ.

وقال إن التنظيم الدولي لـ"الإخوان" يسعى، من خلال هذا التوسع، إلى التغلغل داخل المجتمعات الغربية، بما يسمح له، على المدى البعيد، ببناء قدر من النفوذ يمكن توظيفه سياسيًا، وصولًا إلى التأثير في سياسات الدول والمجتمعات التي ينشط فيها.

إعادة التموضع

وأشار الباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي إلى أن تعامل الغرب مع "الإخوان" شهد، في مراحل مختلفة، محاولات للاحتواء ثم التحجيم، مؤكدًا أن هذا التعامل لم يكن ثابتًا، بل تغير تبعًا للظروف السياسية والأمنية وتقييم الحكومات الغربية لطبيعة الدور الذي تؤديه الجماعة.

وختم أبو السعد بالقول إن الدور الحالي "للإخوان" لا يمكن فهمه فقط من خلال الأدوار التي مارستها الجماعة في السابق، بل من خلال قدرتها على إعادة التموضع وفق طبيعة المرحلة. وأضاف أن الجماعة، في بعض الحالات، تتجنب طرح دورها بصورة مباشرة عندما يكون مرفوضًا اجتماعيًا، وتسعى أولًا إلى تغيير البيئة المحيطة بها وإعادة تشكيل صورتها، حتى يصبح الدور الذي تطمح إلى أدائه أكثر قبولًا لدى المجتمع، مشددًا على أن هذا السلوك يثير إشكالات تتجاوز العمل السياسي التقليدي، وتقترب من مفهوم "الخيانة" بالمعنى السياسي، عندما تتحول الأولوية من الاندماج في المجتمع إلى العمل على اختراقه وإعادة تشكيله بما يخدم أهداف التنظيم. 

(المشهد)