حرارة مميتة.. كيف غيّر الاحتباس الحراري طقس أوروبا؟

آخر تحديث:

شاركنا:
"القبة الحرارية" هي السبب وراء العديد من موجات الحر الصيفية التي تشهدها أوروبا (رويترز)
هايلايت
  • الحرارة المتراكمة على سطح الأرض تتيح لأنماط الطقس الصيفي أن تجلب أياماً أكثر حرارة.
  • تكرار موجات الحر في المستقبل يعتمد على حجم الجهود التي ستبذلها الدول لخفض الانبعاثات.
  • العلماء: كلما توفرت المعلومة في وقت أبكر، أمكن اتخاذ تدابير تكيف أفضل.

خلص تحليل علمي إلى أن درجات الحرارة المرتفعة هذه الأيام والتي شملت مساحات واسعة من القارة الأوروبية ما كانت لتحدث لولا ظاهرة الاحتباس الحراري.

مخاطر متصاعدة تهدد الصحة

في التفاصيل، صرح علماء يوم الجمعة بأن التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية جعل موجة الحر اللافحة التي شهدتها أوروبا الغربية هذا الشهر أكثر احتمالاً بكثير مما كانت ستكون عليه قبل عقدين فقط، مسلطين الضوء على المخاطر المتصاعدة بسرعة التي تهدد الصحة وسبل العيش نتيجة حرق الوقود الأحفوري.

وأدت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى رفع درجات الحرارة في جميع أنحاء العالم لأكثر من قرن من الزمن إذ تتيح هذه الحرارة الإضافية المتراكمة على سطح الأرض لأنماط الطقس الصيفي أن تجلب أياماً أكثر حرارة وليالي أكثر خنقاً (شديدة الحرارة والرطوبة) مقارنة بما كانت عليه في السابق.

وبعد فحص سجلات درجات الحرارة التي تمتد لعقود، خلص فريق من العلماء إلى أن موجة حر بهذه الشدة -كالتي شهدناها هذا الأسبوع وشملت مساحة واسعة من أوروبا- تُعد أمراً نادراً الحدوث في شهر يونيو في ظل المناخ الحالي، حيث تقل احتمالية وقوعها عن 1% في أي عام محدد.

لكن هذا الأمر كان ليكون أكثر ندرةً في العقد الأول من القرن الـ21، حين كانت حرارة العالم أقل بنحو 1.1 درجة فهرنهايت مما هي عليه الآن؛ كما وأنه كان ليُعد "مستحيلاً عملياً" قبل نصف قرن، عندما كانت حرارة الكوكب أقل بمقدار درجتين فهرنهايت، وذلك حسبما ذكر الباحثون في تقريرهم.

وقال ثيودور كيبينغ، المؤلف الرئيسي للتقرير وعالم المناخ في إمبريال كوليدج لندن: "لم يكن من الممكن حدوث هذه الظاهرة في شهر يونيو لولا التغير المناخي".

الأمر متوقف على جهود الدول

وأضاف الدكتور كيبينغ أن وتيرة تكرار موجات الحر هذه في المستقبل تعتمد على حجم الجهود التي ستبذلها الدول لخفض الانبعاثات.

وأعدّ التقرير علماء تابعون لمبادرة "World Weather Attribution" (إسناد أحوال الطقس العالمية)، وهي مبادرة تُعنى بتحليل الظواهر الجوية المتطرفة لفهم مدى تأثرها بظاهرة الاحتباس الحراري الناجمة عن الأنشطة البشرية.

وتُعزى موجة الحر التي شهدها هذا الأسبوع -والتي حطمت الأرقام القياسية لدرجات الحرارة في مناطق تمتد من إسبانيا إلى ألمانيا- إلى نظام ضغط جوي مرتفع استقر فوق أوروبا، مما أدى إلى تدفق كتل هوائية ساخنة قادمة من شمال إفريقيا.

والجدير بالذكر أن ظواهر "القبة الحرارية" هذه كما يُطلق عليها، كانت السبب وراء العديد من موجات الحر الصيفية التي شهدتها أوروبا الغربية.

في السياق، قالت فريدريكه أوتو، وهي عالمة المناخ التي ترأس مبادرة "إسناد أحوال الطقس العالمية" (World Weather Attribution): "إن نمط الطقس بحد ذاته ليس غير معتاد بشكل خاص، لكن درجات الحرارة هي التي تُعد كذلك؛ أو على الأقل كانت كذلك في غياب التغير المناخي الناجم عن الأنشطة البشرية".

واستخدم الباحثون في تحليلهم سجلات درجات الحرارة لتقدير كيفية تغير احتمالات حدوث موجات حر متفاوتة الشدة على مر العقود نتيجة للاحتباس الحراري.

بريطانيا.. أولى الدول المتضررة

وأشارت نتائجهم إلى أن موجة حر أوروبية تضاهي في احتمالية حدوثها تلك التي شهدناها هذا الأسبوع، كانت ستسفر عن درجات حرارة نهارية متوسطة تقل بنحو 3.6 درجات فهرنهايت عما هي عليه الآن في العقد الأول من القرن الـ21، وبنحو 6.3 درجات فهرنهايت عما كانت عليه في عام 1976.

وقد اختار الباحثون مقارنة هذا الحدث بعام 1976؛ لأن بريطانيا عانت في ذلك العام موجة حر صيفية شديدة أخرى.

ووفقاً لتقرير لوكالة "رويترز" نُشر في شهر يونيو من ذلك العام، "اشتعلت النيران في العديد من حدائق المدن، وذابت قطع الشوكولاتة في المتاجر، وذابت شموع المذابح".

وفي قطار أنفاق بلندن تعطلت حركته، عانى الركاب القيء وحطموا النوافذ بحثاً عن هواء بارد، كما أُغمي على بعضهم.

غير أن الدكتورة "أوتو" أوضحت أن موجة الحر عام 1976 لم تكن واسعة النطاق عبر أوروبا بالقدر الذي اتسمت به موجة هذا الأسبوع، كما أنها لم تكن مصحوبة بنفس مستويات الرطوبة.

وعلاوة على ذلك، فقد تجاوزت درجات الحرارة المسجلة هذا الأسبوع الأرقام القياسية التي بلغتها درجات الحرارة في بريطانيا خلال شهر يونيو من عام 1976، وذلك وفقاً لتقديرات أولية صادرة عن هيئة الأرصاد الجوية البريطانية.

عمليات جوية معقدة

وقد لا تكون أنماط الطقس المسببة لموجة الحر التي تشهدها المنطقة هذا الأسبوع ناجمة عن التغير المناخي، إلا أن العلماء يسعون لمعرفة ما إذا كان هذا التغير يجعلها أكثر تكراراً أو استمراراً في أوروبا. كما يحاولون فهم العمليات الجوية المعقدة التي تؤدي إلى تشكّل مثل هذه الأنماط بشكل أفضل.

ويقول ديم كومو، عالم المناخ في جامعة "في يو أمستردام" (VU Amsterdam) الهولندية، إن التوصل إلى فهم أفضل لهذه الظواهر قد يتيح يوماً ما لخبراء الأرصاد الجوية رصد موجات الحر في مراحلها المبكرة، مما يساعدهم على تحذير الجمهور قبل أسابيع من وقوعها. وأضاف الدكتور كومو: "كلما توفرت المعلومة في وقت أبكر، أمكن اتخاذ تدابير تكيف أفضل".

(ترجمات)