إرث "لندنستان".. هل تعيد بريطانيا تقييم حساباتها مع الجماعات الإسلامية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
لندنستان" ومعضلة التطرف في بريطانيا" (رويترز)
هايلايت
  • "لندنستان" يعاود الظهور في ظل محاولات فهم تردد بريطانيا في إنهاء صلاتها بالإسلاموية.
  • تتسارع المواقف الأوروبية بشأن تقييد وتقويض نفوذ شبكات الإسلام السياسي.
  • مراقبون: استغلت التيارات المتشددة منظومة اللجوء والحريات ببريطانيا ووفرت مساحة لنشاطهم.

يعاود مصطلح "لندنستان" إلى الظهور في ظل محاولات فهم تردد أو تحفظ بريطانيا في إنهاء صلاتها بالقوى الإسلاموية، خصوصًا مع تسارع المواقف الأوروبية بشأن تقييد وتقويض نفوذ شبكات الإسلام السياسي، وحلحلة هيمنتها الأيدولوجية على المهاجرين العرب والمسلمين.

إرث التسعينيات

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن المصطلح بحمولته يكشف عن إرث التسعينيات حين وفّرت منظومة اللجوء والحريات في بريطانيا مساحة لنشاط دعاة وشخصيات إسلاموية متشددة. كما يؤشر إلى تحديات باتت ملحة وراهنة، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الرقمية وتنامي دور الأفراد والمجموعات الصغيرة.

وثمّة عوامل، سياسية وأيديولوجية، لم تعد خفية، أسهمت في استغلال الحريات البريطانية لتوسيع نشاط جماعات أصولية متشددة، وفق المصادر ذاتها. غير أن المشهد الحالي يتجاوز الصورة التقليدية لـ"لندنستان"، بينما تبرز معضلة مستمرة أمام السلطات البريطانية، وهي آليات وأنماط مواجهة التطرف بمختلف تياراته والمقاربة الشمولية لذلك كما هو الحال بين دول التكتل.

فيما يشير تحليل نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI) إلى أن لندن استقبلت، خلال حقبة التسعينيات، دعاة وناشطين من بلدان عربية، منهم أبو حمزة المصري وأبو قتادة الفلسطيني وعبد الله الفيصل وعمر بكري محمد.

وقد كان أبو حمزة المصري إمامًا في أحد مساجد لندن، بينما استقطب اهتمام أجهزة الأمن البريطانية، خلال هذه الحقبة التي صعد فيها مصطلح "لندنستان"، بسبب خطبه وأنشطته. ووفقًا لملخص المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، صدرت عنه خطب وتصريحات متشددة بين عامي 1996 و2000، قبل أن توجه إليه السلطات البريطانية عام 2004 اتهامات شملت التحريض على القتل وإثارة الكراهية العنصرية.

ووفقًا للبيانات الرسمية لجهاز الاستخبارات والأمن الداخلي البريطاني (MI5)، رُفع مستوى التهديد الإرهابي الوطني في 30 أبريل 2026 من "كبير" إلى "شديد" وهو مستوى يعني أن وقوع هجوم إرهابي يُعد مرجحًا جدًا.

ملاذات آمنة

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي ماهر فرغلي، إن لندن عُرفت في تسعينيات القرن الماضي باسم "لندنستان" في إشارة إلى توفير ملاذات آمنة لـ"متطرفين عنيفين وعناصر إرهابية فارّة من الملاحقة القانونية"، وقد استفادوا من قوانين اللجوء والحريات في بريطانيا، إلى جانب دول أوروبية والولايات المتحدة.

وأوضح فرغلي أن تسامح الحكومات البريطانية المتعاقبة مع وجود متطرفين على أراضيها ارتبط بجملة من العوامل السياسية والأيديولوجية، في مقدمتها القوانين المرتبطة باللجوء والحريات التي تقوم على حماية الحريات وعدم إدانة الأفراد قبل ثبوت تورطهم في جرائم، فضلًا عن "الاعتقاد المسيّس بأن بعض دول الشرق الأوسط، ومنها مصر وسوريا، تضطهد المعارضين السياسيين".

وأشار إلى أن غياب التمييز الدقيق بين المعارضة السياسية والنشاط الإرهابي، وعدم وضوح التعريفات السياسية للإرهاب، أسهما في تهيئة بيئة استغلها متطرفون وجماعات إرهابية للإقامة في بريطانيا وممارسة أنشطتهم.

وكان من بين هؤلاء شخصيات وتيارات متطرفة على صلة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي وكذلك "الجماعة الإسلامية المصرية المسلحة"، مثل أبو حمزة المصري وأبو قتادة الفلسطيني وعبد الله الفيصل وعمر بكري محمد.

الدعاة المتطرفون

وفي ما يتعلق بخطورة الدعاة المتطرفين، أوضح الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي أن تقارير ومراكز أبحاث، إلى جانب برامج مكافحة التطرف مثل برنامج "بريفنت" البريطاني، تناولت دور هذه الشخصيات في نشر الأفكار المتشددة، معتبرًا أن خطورتها تكمن في قدرتها على التأثير الأيديولوجي والوساطة بين تبني الأفكار المتطرفة والانتقال إلى العنف المسلح.

كما حذّر من أن التحدي الراهن في بريطانيا لا يقتصر على التطرف الإسلاموي، بل يشمل أيضًا صعود اليمين المتطرف، في ظل تنامي أنماط متعددة من الخطاب المتشدد وأساليب التعبئة والتجنيد.

وأضاف أن التطورات الأخيرة تعكس تحولًا في المشهد الإرهابي العالمي، الذي بات أكثر ترابطًا وعابرًا للحدود، مع اعتماد الدعاة المتطرفين على أدوات رقمية تتيح لهم الوصول إلى جمهور أوسع، وفي مقدمتها منصات التواصل الاجتماعي، بما يصعّب احتواء خطابهم أو الحد من انتشاره.

الانتقادات الموجهة

إلى ذلك، قال المستشار الأكاديمي والأستاذ المساعد للدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورغ الألمانية الدكتور عاصم حفني، إن مصطلح "لندنستان" ظهر في تسعينيات القرن الماضي لوصف العاصمة البريطانية التي تحولت آنذاك إلى ملاذ لعدد من الإسلاميين المنفيين والنشطاء المتشددين من دول عربية وإسلامية، مشيرًا إلى أن المصطلح استُخدم، خصوصًا في الأوساط الأمنية والإعلامية الفرنسية، للتعبير عن الانتقادات الموجهة إلى السياسة البريطانية في التعامل مع هذه الشخصيات.

وأوضح حفني، في حديثه لـ"المشهد"، أن منظومة اللجوء السياسي وحرية التعبير في بريطانيا أتاحت مساحة لنشاط شخصيات مثل أبي قتادة وأبي حمزة، في وقت كانت فيه السلطات البريطانية تحاول الموازنة بين مقتضيات الأمن والقيود القانونية التي تحكم إبعاد الأشخاص أو تسليمهم إلى دول أخرى.

وأشار إلى أن قضية أبي قتادة تجسد تعقيدات العلاقة بين الأمن وحقوق الإنسان وسيادة القانون، إذ خضعت محاولات ترحيله من بريطانيا لسنوات لطعون وإجراءات قضائية، قبل أن تتمكن الحكومة البريطانية من إعادته إلى الأردن عام 2013، بعد التوصل إلى ضمانات قانونية. وفي المقابل، اتخذت السلطات البريطانية إجراءات بحق أبي حمزة، انتهت بتسليمه إلى الولايات المتحدة، حيث حوكم.

ورأى حفني أن وصف "لندنستان" قد لا يعكس بدقة طبيعة التهديدات التي تواجه بريطانيا اليوم، في ظل تحولات المشهد الإرهابي نحو أنماط أكثر تشتتًا ورقمية، مع تزايد دور الأفراد والمجموعات الصغيرة مقارنة بالشبكات الكبيرة التي ميزت مرحلة التسعينيات.

مستوى التهديد الإرهابي

ولفت إلى أن مستوى التهديد الإرهابي في بريطانيا ارتفع إلى درجة "خطير" (Severe) في مايو الماضي، وفقًا لتقييم جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)، ما يعني أن وقوع هجوم إرهابي يُعد مرجحًا بدرجة كبيرة. وأضاف أن الإرهاب الإسلاموي لا يزال يمثل التهديد الإرهابي الرئيس للبلاد، بالتزامن مع تصاعد مخاطر الإرهاب اليميني المتطرف.

وقد استشهد المستشار الأكاديمي والأستاذ المساعد للدراسات الإسلامية والعربية بجامعة ماربورغ الألمانية بإحصاءات برنامج "بريفنت" لمكافحة التطرف، التي تغطي إنجلترا وويلز حتى سبتمبر العام الماضي، موضحًا أن التطرف اليميني المتطرف مثّل 20% من الإحالات التي حُددت فيها طبيعة المخاوف، مقابل 8% للتطرف الإسلاموي، فيما لم تُصنَّف الأيديولوجية المرتبطة بالمخاوف في 56% من الإحالات.

وأكد أن هذه الأرقام لا تعني تراجع التهديد الإسلاموي إلى مستوى يمكن تجاهله، لكنها تكشف عن تعدد مصادر التطرف في بريطانيا.

وخلص حفني إلى أن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت بريطانيا قد تحولت مجددًا إلى "لندنستان"، بل يمتد إلى ما استخلصته من دروس تلك المرحلة، في ظل تغير أدوات التطرف وطبيعة التهديدات، مشددًا على أن التحدي الأساسي يتمثل في حماية المجتمع من التطرف، من دون وضع جماعة دينية بأكملها موضع الاشتباه، مؤكدًا أن التمييز بين الإسلاموية المتطرفة والمسلمين بوصفهم جماعة دينية واجتماعية ليس مجرد اعتبار سياسي، بل شرط لبلورة سياسة أمنية فعالة وعادلة في آن واحد. 

(المشهد)