"حل وحظر ومصادرة" كلها مفردات واجهتها جماعة "الإخوان المسلمين" داخل مصر منذ ما يزيد عن 13 عاماً، بعد أن لفظ الشعب أفكارها وإرهابها وخرج عليها في ثورة عارمة في أرجاء البلاد، بعد سيطرة أعضائها وقيادتها على مفاصل مؤسسات الدولة برمتها.
ويبدو أن جماعة "الإخوان" التي ماتت كلينيكيا داخل مصر لا تزال مُصرة على العودة إلى الحياة مجدداً، لكن بصورة غير مباشرة كتلك التي كانت تعتمد عليها في السابق، فبعد تضييق الخناق عليها داخلياً لجأت الجماعة مؤخراً إلى الابتعاد عن الأساليب التقليدية والانتقال إلى استخدام أدوات حديثة ومتطورة، في محاولة لإعادة بناء حضورها السياسي في الخارج.
فالإعلام الرقمي والشبكات العابرة للحدود بالإضافة إلى المنظمات الحقوقية، أدوات بدأت الجماعة في استخدامها والاعتماد عليها خلال الآونة الأخيرة، في إطار إستراتيجية تهدف إلى ممارسة ضغط غير مباشر على مصر ومؤسساتها عبر الفضاء الدولي، من أجل إعادة إنتاج الفوضى داخل البلاد.
الفضاء الإلكتروني إستراتيجية "الإخوان" الجديدة في مصر
وحول هذا الأمر الذي بات يشغل بال الكثير من المصريين، أوضح مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء رضا يعقوب في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد" أن جماعة "الإخوان" الإرهابية اتجهت مؤخراً لإطلاق منصات إعلامية جديدة تعمل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكات تمويل معقدة، من أجل اختلاق الشائعات وترويجها وإحداث تأثير في الداخل المصري وتضليل الرأي العام داخل البلاد، منوهاً إلى أن هذه الخطوة تسعى من خلالها الجماعة إلى استهدف وجذب الشباب والأجيال الجديدة والتأثير على عقولهم، معتمدةً في ذلك على نشر الشائعات والمعلومات غير الدقيقة لتحقيق انتشار واسع، مبيناً أن هذه الإستراتيجية تمثل تحولاً لافتاً في أسلوب عمل الجماعة من الهياكل التقليدية إلى العمل الرقمي.
ولفت إلى أن هذا النهج الجديد لجماعة "الإخوان" يعكس حالة اليأس السياسي الكبيرة التي تُخيم على الجماعة، بعد أن فشلت في العودة إلى المشهد عبر الوسائل المشروعة، ومن ثم لجأوا إلى استخدام هذا النهج بديلاً عن المواجهة المباشرة في ظل صعوبة التحرك داخل مصر، مشيراً إلى أن "الإخوان" يحاولون استعادة جزء من نفوذهم المفقود.
وكشف يعقوب أن هذه التحركات "الإخوانية" جاءت بعد الضربات الأمنية المتكررة والناجحة على عناصر الجماعة داخل البلاد وخارجها أيضاً، مؤكداً أنهم يعيشون حالة من الارتباك بعد تلك الضربات الناجعة التي ساهمت إلى حد كبير في إضعاف قدراتهم التنظيمية.
وأكد أن الجماعة تحاول إعادة التموضع خارج الحدود، وتعويض خسائرها في الداخل من خلال توسيع نفوذها خارج مصر، منوهاً إلى أن هذه التحركات تتطلب تكاتفاً وتنسيقاً دولياً من أجل القضاء عليها وإضعافها، بالإضافة إلى تقديم معلومات دقيقة لمواجهة الروايات المضللة لعناصر تلك الجماعة.
ومن ناحيته، يقول المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي منير أديب، أن التحركات الأخيرة لجماعة "الإخوان" تعكس تحولاً في تكتيكات الجماعة من المواجهة المباشرة إلى أدوات ناعمة تعتمد على الفضاء الإلكتروني، بُغية الترويج لروايات كاذبة تستهدف مؤسسات الدولة المصرية، كاشفاً أن هذا التحول يأتي بعد فشل الجماعة في الوصول إلى ما كانت عليه قبل العام 2012، مضيفاً أن "الإخوان" لجأوا إلى استخدام وسائل جديدة ومختلفة في العودة إلى المشهد السياسي المصري بعد أن لفظهم الشعب برمته، وتنوعت هذه الوسائل ما بين فضائية والكترونية لا علاقة لها بالواقع السياسي، من أجل تعبئة المواطنين ضد الدولة وأجهزتها المختلفة،
ووفقاً لأديب فإن "الإخوان" حاولوا عبر استخدام تلك الوسائل الحديثة الموجهة للشعب المصري، استحضار بعض التجارب السياسية التي استخدم أصحابها العنف في الوصول إلى سدة الحكم، لذلك أنشأوا المنصات لتحريض المواطنين في مصر ومحاولة إقناعهم باستخدام العنف المسلح، أو على الأقل الاستعداد إلى فكرة الانفجار ضد الدولة المصرية ومحاولة اسقاطها.
"ميدان" أبرز أدوات "الإخوان"
وكشف أديب أن منصة "ميدان" تُعد أبرز الأدوات الأساسية في هذا التوجه، حيث يتم من خلالها إنتاج محتوى إعلامي موجه يهدف إلى التأثير على الرأي العام في مصر ، ونشر روايات تخدم أهداف التنظيم، وهي عبارة عن بودكاست لتحريض المصريين على استخدام العنف، مشيراً أنه من رحم هذه المنصة أعلن القائمون عليها ما يسمى بالمؤتمر الوطني الأول حضره عدد من المتطرفين أمثال يحي موسي ورضا فهمي وعلاء السماحي وغيرهم من الإرهابيين.
ويشير إلى أن القائمين على إنشاء هذه المنصة هم الرحم الرؤوم لميليشيا ما يسمى سواعد مصر حسم ولواء الثورة، فهؤلاء قاموا باستخدام العنف المجرد في مصر واغتالوا شخصيات تنفيذية وقضائية، إضافة إلى ارتكابهم العديد من العمليات الإرهابية داخل الدولة، وبالتالي عندما فشلوا بالاستمرار في هذا المسار لجأوا إلى وسائل أخرى تتعلق بإنشاء هذه المنصة "ميدان". هل سينجح الإخوان في استقطاب المصرين من جديد؟
وفيما يتعلق بمدى نجاح الإستراتيجية "الإخوانية" الجديدة من عدمها في استقطاب المصريين، فقد استبعد المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي تحقيق أي نجاحات في هذا الصدد، معولاً في وجهة نظره تلك على الوعي الكبير الذي بات يتمتع به المجتمع المصري ضد مخططات "الإخوان"، حيث إنه بات أكثر إدراكاً بضرورة بقاء الدولة والحفاظ على مؤسساتها، والتي تمثل الحصن الحصين لمواجهة كافة الأفكار المتطرفة والجماعات المسلحة التي تهدف للنيل من البلاد.
ويعتقد أن ثورة 30 يونيو في عام 2013 والتي أطاحت بحكم الإخوان داخل البلاد، كانت سبباً رئيساً في تقديم وعي حقيقي استطاع الشعب من خلاله مواجهة أفكار "الإخوان" ورفضها بشكل قاطع، ومواجهة التنظيمات التي تتحرك من وراء هذه الأفكار التخريبية.
وتوقع مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء رضا يعقوب استمرار "الإخوان" في شحن المواطنين، من خلال استغلال بعض ما يمكن تسميته بمراحل الضعف التي تمر بها الدولة، وذلك في ظل وجود حروب وصراعات داخل المنطقة تنعكس بشكل سلبي على الأوضاع الاقتصادية، فالإخوان يعتقدون أنه يمكنهم استغلال هذه الأوضاع لصالحهم وشحن المواطنين ضد مؤسسات الدولة، وبالتالي تنجح مخططاتهم في اسقاط الدولة، لكن هذه الطموحات غير قابلة للتطبيق.
وطالب الدولة بضرورة مواجهة هذه التحديات الجديدة بكل حزم وقوة من خلال الآتي:
- تفكيك المشاريع "الإخوانية" من خلال العمل على كشف زيفها ومخططاتها.
- الكشف عن أسماء الأشخاص الذين يُديرون هذه المنصات لإسقاط الدولة.
- تناول خطاب هؤلاء المتطرفون عبر تلك المنصات لتحليلها والرد عليها.
- قيام وسائل الإعلام المختلفة بدورها المنوط في رفع توعية المجتمع بهذه المخططات "الإخوانية" الشيطانية.
(المشهد - مصر)