مضيقٌ تتأرجح فيه شرايين الطاقة العالمية، وداخلٌ فرنسي مثقلٌ بدَينٍ يلامس 120% من الناتج المحلي، وموازنةٌ تقشّفية تُشعل غضب النقابات وتُخرج الطلاب إلى الشارع، وحكومةٌ بلا غالبيّة برلمانية، ورئيسٌ يدخل أشهره الأخيرة في الإليزيه. في هذا المشهد يحطّ إيمانويل ماكرون في المنطقة باحثا عمّا يتعذّر عليه إيجاده في الداخل.
بحسب بيان صادر عن قصر الإليزيه، تشمل جولة ماكرون الكويت والإمارات والبحرين وقطر من 19 إلى 21 أكتوبر، وتتمحور حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وتأمين إمدادات الطاقة وتنويع طرق نقلها.
للإضاءة على أبعاد هذه الزيارة، كان لمنصّة "المشهد" حديثٌ مع المحلّل السياسي طارق وهبة والباحث في العلاقات الدولية ناصر زهير.
تأكيد أنّ لفرنسا مكاناً في الخليج؟
في حديث لمنصّة "المشهد"، رأى المحلّل السياسي والباحث في العلاقات الدولية والتنمية المحلية، صاحب الخبرة في إدارة المشاريع مع منظّماتٍ دولية طارق وهبة أنّ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للمنطقة تحمل عنواناً واحداً بارزاً هو أمن الخليج. وانطلاقاً من ذلك، يتصدّر جدول أعمالها ملفّ مضيق هرمز وضمان المرور الآمن للسفن التجارية، وخصوصا ناقلات النفط المتّجهة إلى أوروبا وسائر الدول.
واعتبر وهبة أنّ ماكرون، الذي يغادر الإليزيه بعد أشهر، يريد أن يؤكّد أنّ لفرنسا مكانةً مهمّة في الإمارات، وأنّ أبوظبي لا تزال الشريك الأول لباريس في الخليج، في ظلّ تفاهمٍ سياسي عالٍ بين البلدين. وأشار إلى أنّ الجولة الخليجية تسعى إلى استقطاب دول المنطقة عبر الملفّ العسكري، وعبر الثقل السياسي الذي تمنحه فرنسا بصفتها دولةً تملك حقّ النقض في مجلس الأمن. وخلص إلى أنّ الدور الفرنسي تراجع فعلاً أمام الحضورين الأميركي والصيني، لكنه لا يزال قوياً بحكم ارتباطه بالاتحاد الأوروبي وموقع باريس داخله.
ولفت وهبة إلى أنّ هذه الجولة لا تنفصل عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها فرنسا، من دينٍ عامٍ مرتفع باتت الدولة تكافح لتسديد فوائده، إلى تراجع الاستثمارات وخفض التصنيف الائتماني، فضلاً عن التحرّكات الطلابية والنقابية في عددٍ من القطاعات. ومن هنا، يحاول ماكرون في نهاية ولايته أن يغادر الإليزيه مقتنعاً بأنه يسلّم خلفه مشكلاتٍ أقلّ ممّا تسلّمه.
ووصف وهبة الجولة بأنها "زيارة وداع"، لكنها في الوقت نفسه زيارة تأكيد أنّ فرنسا "لا تزال حاضرة رغم مساعي الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتهميش الدور الأوروبي، وخصوصا دور فرنسا وبريطانيا وألمانيا". وأشار إلى أنّ دول الخليج تستطيع الاستفادة من الخبرة الفرنسية في أبحاث الذكاء الاصطناعي وتطويره بالشراكة مع الإمارات أولاً، مذكّراً بفرع جامعة السوربون في أبوظبي الذي يوسّع اختصاصاته عاماً بعد عام ويستقطب أعداداً متزايدة من الطلاب الخليجيين.
وختم بأنّ هذه الزيارة سترسم طريقاً للرئيس الفرنسي المقبل، الذي سيكون عليه أن يطوّر العلاقة مع الخليج ويجعلها أساسية في ملفّ الطاقة، لضمان الوصول إلى مصادرها بأسعارٍ معقولة، بما يتيح لفرنسا تجاوز أزمتها. لكنّ ذلك مرهونٌ بأن يمنح الناخب الفرنسي في الاستحقاق المقبل الرئيسَ المنتخب أغلبيةً نيابية تمكّنه من تنفيذ برنامجه.
خطوة ذكية.. تحتاج إلى أفعال على الأرض
من جهةٍ أخرى، اعتبر الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي، ناصر زهير، في حديثٍ لمنصّة "المشهد"، أنّ فرنسا ليست مجرّد طرفٍ يسعى إلى تقديم الدعم في أزمة مضيق هرمز، بل هي طرفٌ متضرّر منها مباشرة، ما يفرض عليها التحرّك بالتنسيق مع شركائها الأوروبيين لإيجاد طرقٍ ومساراتٍ بديلة، والعمل على تأمين الملاحة في المضيق.
ورأى زهير أنّ المحادثات التي سيجريها الرئيس إيمانويل ماكرون مع دولة الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج التي يزورها تكتسب أهميةً بالغة في هذا التوقيت تحديداً. غير أنه لفت إلى أنّ باريس لا تملك في المرحلة الراهنة أوراق تأثيرٍ حقيقية في هذا الملف. لكنه لم يستبعد أن يتبدّل المشهد إذا تطوّرت الأزمة، فيبرز دورٌ للكتلة الأوروبية، بالتعاون مع بريطانيا، في تعزيز عملية "أسبيدس" البحرية لحماية المصالح الأوروبية وناقلات النفط والشحن المتّجهة إلى القارة، مؤكّداً أنّ ذلك يبقى رهن تطوّرات الأوضاع ومسارها.
وفي قراءته لجولة ماكرون على 4 دولٍ خليجية في 3 أيام، رأى زهير أنها محاولةٌ واضحة لاستعادة الحضور الفرنسي والأوروبي في المنطقة، لافتاً إلى أنّ الأوروبيين لا يملكون قراراً موحّداً يتيح لهم التحرّك بالديناميكية السريعة التي تتطلّبها الأزمة، ولذلك ستسعى باريس إلى أن يكون لها دورٌ في المرحلة المقبلة. ووصف الجولة بأنها "خطوة مهمة جداً وذكية" في التوقيت الحالي، لكنها تحتاج إلى قراراتٍ وخطواتٍ ملموسة على الأرض. وأضاف أنّ الخطوات الفرنسية تبقى محدودة، إلا أنّ باريس قادرة على التحرّك بقوة وقيادة جهدٍ أوروبي في هذا الاتجاه.
وعن الأبعاد الداخلية للزيارة، اعتبر زهير أنّ ماكرون لا يملك ما يترك من خلاله بصمةً في نهاية ولايته الرئاسية سوى الملف الخارجي، في ظلّ ما يواجهه داخلياً من أزمةٍ سياسية وتأزّمٍ اقتصادي واحتجاجاتٍ عمالية ونقابية. ولذلك يبقى هذا الملف، في رأيه، المساحة الوحيدة التي يستطيع التحرّك فيها بديناميكية. وخلص إلى أنّ نجاح ماكرون في إبرام صفقاتٍ استثمارية، واستعادة دورٍ عسكري لفرنسا تضطلع فيه بما يتوجّب عليها ضمن التحالفات العسكرية لحماية أمن الطاقة، سيضعه في موقعٍ أفضل، وينعكس إيجاباً على المشهد الفرنسي برمّته.
(المشهد - فرنسا)
