تشهد العلاقات بين فرنسا والجزائر توتّرات متصاعدة وُصفت بالخطيرة وقد تتحوّل إلى كارثيّة، بعد سلسلة من الأحداث التي زادت الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، بدءًا من تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن "حاضر الصحراء ومستقبلها" ضمن السيادة المغربية، الأمر الذي أثار غضب السلطات الجزائرية بالنظر لدعمها لجبهة البوليساريو، وصولاً إلى الأزمة الحالية حيث جاءت عملية الطرد المتبادلة لدبلوماسيين وموظفين من الجانبين، يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية أو القنصلية.
لتُظهر حساسيّة العلاقة بين الجانبين اللذين يصّران على عدم "الانكسار"، ما يؤزم الوضع ويعمّق الشرخ أكثر فأكثر. فإلى أين تتجه العلاقة بين البلدين؟ ولماذا تواصل الجزائر تصعيد الأزمة؟
التوتّرات تتصاعد بين الجزائر وفرنسا
للإضاءة على الموضوع كان لـ"المشهد" حديثٌ مع النائبة السابقة وعضو لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي، ومندوبة حزب النهضة الفرنسي عن دائرة سيرجي الانتخابية، صونيا كريمي، التي لفتت الى أن "العلاقة بين فرنسا والجزائر، شهدت توتُّرات متصاعدة، بعد سلسلة من الأحداث القديمة الجديدة التي زادت من حدة الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، بدءاً من تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بشأن حاضر الصحراء ومستقبلها ضمن السيادة المغربية".
وفي سياقٍ متصل، تطرقت كريمي إلى "حادثة إعادة قضية المؤثرين الجزائريين الذين رفضت السلطات الجزائرية استقبالهم على أراضيها وأُعيدوا إلى فرنسا، إلى تعميق الجراح القديمة بين الجانبين، كما أثارت قضية الكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال جدلاً واسعاً بعد أن صدر ضدّه حكم بالسجن لمدة 5 سنوات في الجزائر، وهو حالياً في مرحلة الاستئناف.
قالت كريمي: "هذه الوقائع، إلى جانب الهجوم الإرهابي في مدينة مولوز الذي نفذه شخص من أصل جزائري يقيم بصورة غير قانونية في فرنسا، شكلت خلفيةً لتصاعد حدة الخطاب السياسي، فانعكست في تصريحات متبادلة بين المسؤولين من الجانبين، بما في ذلك تصريحات وزير الداخلية الفرنسي برونو روتايو".
مكالمة هاتفية بين تبون وماكرون
وتابعت كريمي "رغم وجود محاولات للتخفيف من حدّة الأزمة، ومنها مكالمة هاتفية أجريت بين الرئيسين الفرنسي والجزائري، إضافة إلى مبادرات دبلوماسية مثل زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو للجزائر، لم يتحقق الاستقرار. وجاءت آخر التطورات لتزيد الطين بلّة، فقد قررت الجزائر طرد 12 موظفاً من السفارة الفرنسية، وهو إجراء لم يُشهد مثيله منذ عام 1962، مما يضيف بُعداً تاريخياً خطيراً إلى الأزمة الراهنة".
وأشارت كريمي إلى أنّ "أحداث الازمة تعمَّقت عندما تبين أن القرار الجزائري بالإقصاء جاء عقب توقيف 3 مواطنين جزائريين يوم الجمعة 11 أبريل، يقيمون على الأراضي الفرنسية وكان أحدهم يعمل في السفارة الجزائرية في باريس. وتندرج هذه التوقيفات ضمن سياق أحداث خطيرة تضمّنت اختطاف معارض جزائري يعيش في فرنسا، ممّا أظهر أن الأزمة ليست مجرّد تبادل للبيانات والتصريحات الدبلوماسية، بل هي متشابكة مع مسائل أمنية وداخلية من كلا الجانبين".
طلاقٌ غير مكتمل بين البلدين
واعتبرت كريمي أن "العلاقات بين فرنسا والجزائر تمرّ بمرحلة عصيبة مع تفاعلات متبادلة تزيد الانقسامات حدةً وتشبه إلى حد كبير حالة "طلاقٍ غير مكتمل"، تستند إلى تاريخ طويل من النزاعات والمشكلات. وبينما يسعى القادة لاستعادة الثقة والبحث عن حلول دبلوماسية تلطّف حدة الأزمة، يبقى المشهد الحالي مؤشراً لأن العلاقات بين البلدين لا تزال متوترة وتواجه تحديات معقّدة تستدعي حواراً جاداً وجهوداً مشتركة للتخفيف من وقع الأحداث المتسارعة".
من جهته، قال الصّحفي الجزائري المتخصّص في الشؤون الفرنسية والأوروبية علاء الدّين بونجّار في حديث لـ"المشهد" إنه من "الواضح أنه في ظلّ تمسك طرف بموقفه، سواء من الجانب الجزائري الذي قرّر طرد موظفي القنصلية الفرنسية، أو من جانب فرنسا التي ردّت بالمثل على هذا القرار، يتّضح أن الأزمة تتجه نحو التصعيد والتّدهور. قد تبدو هذه الأزمة أكبر وأخطر من سابقاتها، سواء في ما يتعلق بقضية الكاتب بوعلام صنصال أو بقضية المهاجرين غير الشرعيين. هذه هي المرة الأولى التي تصل فيها العلاقات إلى حدّ طلب طرد موظفين".
زيارة بارو إلى الجزائر
وأضاف: "يتّضح أن القنوات الدّبلوماسية التي كان من المتوقع أن تتفاعل بعد زيارة بارو إلى الجزائر، ما زالت غير مفعلة ولم تستطع تحقيق الغرض منها. كل طرف مقتنع بوجهة نظره ولا يملك حلاً سوى الاستمرار في هذا النهج، لأن أي تراجع من أي طرف سيُعتبر هزيمة، خصوصا على الصعيد الداخلي، وهو ما لا تريده الجزائر ولا تريده فرنسا".
وتابع: "وهي أزمة أكبر وأخطر من سابقتها سواء فيما يتعلق بالكاتب صنصال أو قضية المهاجرين غير الشرعيين، بدا كأن هناك اختلافًا بين رؤية الرئيس ماكرون ووزير الخارجية من جهة، وبين رؤية وزير الداخلية ووزير العدل من جهة أخرى. في النهاية، انتصر الجناح الدبلوماسي وخط ماكرون، وكانت هناك مكالمة في عيد الفطر وزيارة وزير الخارجية إلى الجزائر".
حسابات انتخابيّة
ولفت بو نجار إلى أن الجزائر "من خلال طرد موظفي السفارة، لم تطرد دبلوماسيين، بل طلبت من موظفين تابعين لوزارة الداخلية الفرنسية مغادرة الجزائر. هناك من يريد إثارة المشكلات في فرنسا ويريد تعكير صفو العلاقات، مما يجعل المراقب يسأل كيف أنه في موازاة العودة التدريجية للعلاقات بين الجزائر وفرنسا، انفجرت قضية المؤثر الجزائري اللاجئ في فرنسا أمير ديزاد. التحقيقات التي كانت مستمرة منذ عام خرجت إلى العلن بعد ساعات من انتهاء زيارة وزير الخارجية الفرنسي للجزائر. الجزائريون يعتقدون أن هناك طرفًا يقوم بحسابات داخلية انتخابية فرنسية، من أجل تعكير صفو العلاقات الدبلوماسية".
في السياق، "يواجه ماكرون وبارو موقفًا حرجًا، لأن هناك انتقادات تشير إلى أن النهج الدبلوماسي لا يمكن أن يحقق الغرض ولا يمكن أن يكون فعالًا مع الطرف الجزائري. أي تراجع منهما في الوقت الحالي سيواجه انتقادات داخلية. الآن، ما الذي يمكن أن تفعله باريس؟ أن ترد بالمثل من خلال طرد موظفي القنصلية، لكن لا يوجد هناك الكثير من الموظفين التابعين لوزارة الداخلية، فسيكون هناك طرد للدّبلوماسيين".
ورأى بو نجار أن طرد "دبلوماسيين جزائريين قد يؤدي إلى قطيعة وعدم الرجوع إلى الوراء. لا يمكن الآن الحديث عمن سيربح من الأزمة، لأنه في العلاقات بين الجزائر وفرنسا، يجب ألا تقيّم على أساس الرابح والخاسر. يجب أن يكون هناك ترجيح للدبلوماسية والقنوات الدبلوماسية، التي تبدو الآن معطلة. هناك نوع من توازن القوى تم تكريسه وتثبيته".
المصالحة مُستبعدة
وقال بو نجار: "الآن، هناك رأي عام، وأنا شخصيًا أرى أنه من المستبعد أن تكون هناك مصالحة في الوقت الحالي إذا لم يتم تجاوز مشكلة القنصلية، خصوصا مسألة الموظفين، وبالأخص الموظف الجزائري الذي هو الآن في قبضة الشرطة. نعلم أن القضاء الفرنسي مستقل ولا يمكن للسلطة التنفيذية أن تتدخل أو تطلب شيئًا من القضاء. لذا، قد تتعقد المسألة وتتأزم أكثر، وقد تؤدي إلى قطيعة دبلوماسية".
وختم بو نجار: "في النهاية، العلاقات الجزائرية الفرنسية هي علاقات عميقة، ولا يمكن لأي طرف أن يسمح باستمرار الأزمة أطول من اللازم. كانت هناك أزمات سابقة تم احتواؤها، وستكون هناك حتمًا أزمات مستقبلية. قد تبدو هذه الأزمة صعبة بسبب تداخل الملفات بين السلطات القضائية والتنفيذية والسياسية. فهل يمكن للرئيسين ماكرون وعبد المجيد تبون احتواء الأزمة مثلما حصل في السابق؟ قد يستغرق الأمر بعض الوقت، لكن في النهاية، فرنسا لا تملك حلولًا أو وسائل لممارسة الضغط على الجزائر. الحقيقة أن فرنسا تبدو أكثر حاجة إلى الجزائر، لأن هناك عدة ملفات وتفاهمات بين البلدين. إذا انهارت هذه التفاهمات، فستكون فرنسا في موقف حرج. نتحدث هنا عن التعاون الأمني، والتعاون في مجال الهجرة، وكذلك التعاون الاقتصادي ومجال الطاقة، حيث توجد حاجة فرنسية للغاز الجزائري. لا مناص من الدبلوماسية وحل المشاكل".
(المشهد)