رغم الإعلان عن احتمالات التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة ينهي الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، إلا أنّ "مذكرة التفاهم" التي توصل إليها الطرفان، بينما تؤطّر مسار التسوية المتوقعة، تبعث بتساؤلات ملحة حول مصير الميلشيات التابعة لإيران التي تطوّق الإقليم، وكذلك الصواريخ الباليستية.
التهديدات الإقليمية
ففي ظل غياب أو بالأحرى تغييب هذين الملفين عن طاولة المفاوضات، شكّك مراقبون تحدثوا لـ"المشهد"، في إمكانية حدوث استقرار دائم، مرجحين انبعاث التهديدات الإقليمية والدولية، خصوصًا مع عسكرة الملاحة الدولية في البحر الأحمر كما في مضيق هرمز، والتي تلعب فيها الأذرع الميلشياوية دورًا مركزيًا وبالاعتماد على المنظومة الباليستية.
تشير مصادر مطلعة تحدثت لـ"سي إن إن" الأميركية، إلى أنّ المفاوضات، التي يبدو أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقترب من تدشينها، تقرّ إعادة فتح مضيق هرمز بصورة تدريجية، وفي المقابل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، ثم العدّ التنازلي لحلحة النقاط الخلافية الأخرى، وفي قمتها البرنامج النووي.
وتؤكد المصادر لـ"المشهد"، أنّ أيّ تسوية محتملة مع إيران تبقى ناقصة ما لم تشمل، إلى جانب الملف النووي، برنامجَي الصواريخ الباليستية وشبكة الفصائل المسلحة في عدد من دول المنطقة، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في بنية النفوذ الإيراني الإقليمي وأدوات ضغطه الخارجية.
ومن ثم، فإنّ أيّ تجاهل لهذه الملفات يعيد إنتاج مصادر التهديد، ويمنح طهران قدرة على إعادة التموضع عبر أذرعها الإقليمية. ومن هنا، يؤشر ملف الميلشيات والصواريخ الباليستية إلى ما هو أبعد من طبيعتها العسكريتارية والأمنية، ويكشف عن طبيعة الدور الإقليمي الإيراني نفسه، الأمر الذي يجعل أيّ اتفاق جزئي أقرب إلى إدارة موقتة للصراع منه إلى تسوية نهائية.
ملف الميلشيات والباليستي
وفي حديثه لـمنصة "المشهد"، قال المعارض الإيراني مهدي عقبائي، إنّ تجاهل ملف الميليشيات التابعة لطهران، وبرنامج الصواريخ الباليستية في أيّ تفاهمات أو اتفاقات محتملة مع إيران، يطرح تساؤلات جوهرية، معتبرًا أنّ هذين الملفين يشكلان "جوهر إستراتيجية النظام الإيراني في البقاء والضغط والابتزاز الإقليمي والدولي".
وأوضح عقبائي، أنّ إيران لم تعتمد على برنامجها النووي فقط كـ"ورقة تفاوضية"، بل عملت على بناء شبكة من الفصائل المسلحة في عدد من دول المنطقة، من بينها لبنان والعراق واليمن وسوريا، وربطت ذلك بمنظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة، بهدف إنشاء "منظومة ردع وتهديد مستمرة"، تمكّنها من التأثير في الممرات البحرية والمصالح الدولية.
وأضاف أنّ أيّ تسوية تقتصر على الملف النووي، من دون التطرق إلى هذه الشبكة العسكرية، من شأنها الإبقاء على مصادر التهديد القائمة بدلًا من إنهائها، بل وتعيد إنتاجها بصيغ مختلفة.
وأشار المعارض الإيراني إلى أنّ طهران تسعى إلى تجنّب إدراج ملف أذرعها العسكرية على طاولة التفاوض كـ"قضية مستقلة"، في حين تحاول أن تشمل أيّ تسوية مستقبلية مناطق نفوذها الإقليمية، خصوصًا في لبنان، ليس بهدف الاستقرار، وإنما للحفاظ على هذه الأذرع باعتبارها "خط دفاع خارجي وأداة ضغط سياسية".
ركيزتين أساسيتين
ولفت إلى أنّ سلوك إيران، خلال الأزمات أو المواجهات، لا يتركز بالضرورة على الرد المباشر ضد الخصوم الرئيسيين مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل يمتد إلى تصعيد في ساحات إقليمية أخرى كما حدث في الاعتداءات على دول الخليج، بهدف زيادة الضغوط وتوسيع نطاق المواجهة، بما يرفع كلفة التعامل مع طهران.
واعتبر عقبائي أنّ بنية النظام الإيراني، منذ تأسيسه، قائمة على ركيزتين أساسيتين، هما القمع الداخلي وتصدير النفوذ والصراعات إلى الخارج، مشيرًا إلى أنّ الحفاظ على هاتين الركيزتين يمثل شرطًا لبقاء النظام.
وختم بالقول إنّ أيّ اتفاق لا يتناول "ملفّي الميليشيات والصواريخ الباليستية" لن يكون "تسوية مكتملة"، بل "ترتيبًا ناقصًا" يمنح طهران فرصة لـ"التقاط أنفاسها ومواصلة سياساتها الإقليمية"، مؤكدًا أنّ الحل الحقيقي لا يكمن في الحرب أو التسويات الجزئية، وإنما في "الاعتراف بحق الإيرانيين في إنهاء نظام "الولي الفقيه" وإقامة بديل ديمقراطي".
ومن جهته، أوضح المستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية سالم اليامي، أنه لا يزال الحديث يدور حتى الآن حول إطار أولي لاتفاق لم تتبلور ملامحه النهائية بعد، إلى درجة أنّ بعض الأوساط تصفه بأنه "مسوّدة تفاهم" أكثر منه اتفاقًا مكتمل الأركان.
وفي ما يبدو أنّ طهران وواشنطن اكتفتا بوضع الخطوط العريضة والقضايا الأساسية ضمن هذا الإطار، مع تأجيل الملفات الأكثر تعقيدًا إلى مراحل لاحقة من التفاوض، وفي مقدمتها ملف الفصائل المسلحة والبرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني، حسبما يوضح اليامي لـ"المشهد".
وتبقى النقطة الأبرز، والحديث للمستشار السابق في وزارة الخارجية السعودية، هي أنّ هذا الإطار لا يزال هشًا وقابلًا للتعثر أو حتى الانهيار في أيّ لحظة، خصوصًا في ظل تصاعد الشكوك داخل الولايات المتحدة بشأن نيات طهران. فيما برزت خلال الساعات الماضية أصوات أميركية اعتبرت أنّ التفاهم المطروح لا يختلف كثيرًا عن اتفاق عام 2015، الأمر الذي دفع الرئيس الأميركي إلى التلميح بوضوح إلى احتمال رفض الاتفاق بصيغته الحالية.
أمر غير واقعي
وفي ما يتعلق بملف الفصائل المسلحة، يمكن القول إنّ إيران قد تُبدي قدرًا من المرونة في هذا الجانب إذا ما طُرح لاحقاً على طاولة التفاوض، وفق اليامي، إلا أنّ تفكيك هذه الجماعات أو إنهاء دورها بالكامل يبدو "أمرًا غير واقعي على المدى القريب"، على حد تعبيره، نظرًا لارتباطها العميق بالإستراتيجية الإقليمية الإيرانية.
ويردف: "أما البرنامج الصاروخي الباليستي، فيُعد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لطهران، إذ ترى القيادة الإيرانية أنّ التخلي الكامل عنه، سيجعل البلاد مكشوفة عسكريًا، ويفقدها أحد أبرز عناصر الردع، خصوصًا في ظل ما تعتبره تراجعًا في قدراتها العسكرية التقليدية، فضلًا عن الأضرار التي لحقت ببعض منظوماتها خلال الحرب الأخيرة".
مصادر التهديد
فيما رجح الكاتب السياسي الإماراتي الدكتور جاسم خلفان أن تكون أيّ تسوية أو عملية تفاوضية في المنطقة، شاملة، بحيث تضم دول الخليج وعددًا من الدول العربية المحيطة بإيران، في مختلف النقاشات والاتفاقات المحتملة.
وأضاف خلفان لـ"المشهد"، أنّ ملف الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران في عدد من الدول العربية، إلى جانب برنامج الصواريخ الباليستية، يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز مصادر التهديد المستمر لأمن المنطقة، خصوصًا لدول الخليج والدول المجاورة، مشيرًا إلى أنّ هذه الأذرع العسكريتارية، تشكل أدوات نفوذ إقليمي تُستخدم للضغط وتهديد الاستقرار. بالتالي، فالتعامل مع هذا الملف يرتبط مباشرة بمستقبل الدور الإيراني في المنطقة.
كما رأى خلفان أنّ أيّ مقاربة تهدف إلى تقليص أو إنهاء نفوذ هذه الميليشيات في العراق وغيرها من البلدان المنتشره بها هذه القوى المتفلّته وبسلاحها غير الشرعي، قد تؤدي إلى تقليص الحضور الإيراني الإقليمي، إلا أنه شدد على أنّ ذلك يظل رهنًا بتوازنات دولية وإقليمية معقّدة.
وعزا الكاتب السياسي الإماراتي مقاربته، إلى أنّ إيران بالأساس هي "دولة وظيفية" بالمنطقة، وقيام النظام الإيراني ارتبط بتفاهمات دولية في مرحلة ما، وهو ما يجعل من مسألة إحداث تغيير جذري في دوره الإقليمي، أمرًا غير بسيط في ظل تداخل المصالح الدولية.
وختم بالإشارة إلى أنّ القرار السياسي الأميركي لا يُتخذ بمعزل عن توازنات داخلية وخارجية بين تيارات مؤيدة لاستمرار المواجهة وأخرى تفضل التهدئة، وهو ما ينعكس على مسارات التفاوض المحتملة، مؤكدًا أنّ الموقف العربي، خصوصًا في دول الخليج، يتركز على ضرورة إنهاء وجود الميليشيات المسلحة في المنطقة، باعتبارها مصدر تهديد مباشرًا للأمن والاستقرار الإقليميين.
(المشهد)