في ظل نظام دولي يشهد اضطرابات متصاعدة ونزاعات متعددة، بالتزامن مع تحولات جيوسياسية في قمة العالم، تبرز الإمارات بوصفها دولة وازنة في معادلات الاستقرار والتنمية، مستفيدة من شبكة واسعة من العلاقات والشراكات التي منحتها حضورًا يتجاوز محيطها الإقليمي.
الملفات المأزومة
وبينما تتزايد الحاجة الملحة إلى مرجعيات سياسية قادرة على تهدئة التوترات وفتح مسارات للحوار والتسوية، تراكم أبوظبي حضورها الإقليمي والدولي القائم على الانخراط في الملفات المأزومة وأداء أدوار الوساطة والتقريب بين الأطراف.
من ثم، تأتي المشاركة الإماراتية في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في ظل بيئة إقليمية ودولية تتسم بتعدد الأزمات وتداخل الملفات الأمنية والاقتصادية، وفقا لمراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، بما يتيح لأبوظبي توظيف شبكة علاقاتها وأدواتها الدبلوماسية والإستراتيجية لتعزيز حضورها الدولي.
وبينما تمثل اجتماعات نيويورك منصة لبحث أمن الخليج والملاحة والطاقة والبحر الأحمر، تؤكد المصادر ذاتها أن أهمية الدور الإماراتي تتجاوز الحضور الرسمي إلى القدرة على التواصل مع أطراف متنافسة، والحفاظ على قنوات مفتوحة مع قوى دولية وإقليمية مختلفة، مستندة إلى تراكم من التجارب والشراكات والاستثمارات والأدوات الدبلوماسية والإنسانية.
ويترأس نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وفد بلاده المشارك في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة في نيويورك خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر 2026.
الوفد الإماراتي في نيويورك
ويجري الوفد الإماراتي رفيع المستوى سلسلة لقاءات مع مسؤولين أمميين وممثلي الدول الأعضاء والشركاء الدوليين، لبحث سبل معالجة التحديات العالمية وتعزيز السلم والأمن الدوليين ودعم العمل متعدد الأطراف.
وتركز مشاركة الإمارات على 3 محاور رئيسة:
- تشمل تسوية النزاعات وترسيخ الاستقرار والتعايش السلمي
- دعم إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز كفاءتها، بما في ذلك توظيف الذكاء الاصطناعي
- العمل المناخي والحلول المستدامة في مجال المياه
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يرى الباحث الإماراتي المتخصص في العلاقات الدولية محمد خلفان الصوافي، أن الإمارات استطاعت بناء مكانة متقدمة في الساحة الدولية تجاوزت مفهوم التأثير التقليدي في العلاقات الدولية، من خلال تخطي التصور التقليدي لمفهوم القوة، بما منحها مرونة إستراتيجية في ظل حالة السيولة وعدم اليقين التي يشهدها النظام الدولي.
ويشير الصوافي إلى أن الإمارات تمتلك قدرة على التواصل مع أطراف متنافسة أو متخاصمة، مستشهدًا بعلاقاتها مع الولايات المتحدة والصين، وكذلك مع روسيا والدول الأوروبية، وليس أوكرانيا فقط، معتبرًا أن هذه القدرة تعكس هامشًا واسعًا من المرونة في سياستها الخارجية.
ويضيف أن "الإمارات تمتلك العديد من أدوات القوة غير التقليدية التي أسهمت في ترسيخ مكانتها الدولية، سواء من خلال القوة الناعمة، وفي مقدمتها المساعدات والقضايا الإنسانية، أو عبر أدوات القوة الصلبة. إذ إن الإمارات تصدّت، على سبيل المثال للعدوان "الحوثي" عام 2022، كما أن صدّها للهجوم الإيراني أكد مستوى المكانة التي وصلت إليها الدولة في مفهوم القوة والتأثير".
وتابع: "تجاوز الإمارات للمفهوم التقليدي للقوة والتأثير في النظام الدولي لا يقتصر على الأدوات العسكرية أو الإنسانية، بل يشمل كذلك قوة الدبلوماسية، والاستثمارات، والشراكات الإستراتيجية، والذكاء الاصطناعي، والمعرفة، وهي أدوات باتت تؤدي دورًا متزايدًا في تحديد مكانة الدول وقدرتها على التأثير".
الإستراتيجيات الدولية
كما يشدد الباحث الإماراتي المتخصص في العلاقات الدولية على أن أحد أهم عناصر القوة الإماراتية يتمثل في "الثقة" التي بنتها الدولة في علاقاتها الدولية، لافتًا إلى أن هذا العنصر لا يتوافر بالدرجة نفسها لدى كثير من الدول.
ويتابع: "بل إن الإمارات، والحديث للمصدر ذاته، تحرص على الالتزام بوعودها وتعهداتها، سواء تجاه المنظمات الدولية أو الدول الأخرى، وهو ما أسهم في ترسيخ موقعها ضمن التفاعلات والإستراتيجيات الدولية".
وفي زاوية أخرى، يرى الصوافي أن تعدد بؤر النزاعات والأزمات الدولية عزز الحاجة إلى دول قادرة على إيجاد نقاط التقاء ومساحات للتفاهم بين الأطراف المختلفة، خصوصًا أن الإمارات واحدة من الدول التي تمتلك هذه القدرة.
ويضيف أن قيمة الإمارات لا تكمن فقط في حضورها داخل التجمعات والمحافل السياسية الدولية، كما في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وإنما في قدرتها على أداء دور الجسر بين الأطراف المتنافسة، إلى جانب امتلاكها صوتًا مسموعًا ورأيًا يحظى بوزن في عدد من الملفات الدولية.
وعليه، فهذا الحضور لم يتشكل بصورة مباغتة، وإنما جاء نتيجة تراكم التجارب والمواقف، إلى جانب امتلاك أدوات متعددة للتأثير والقدرة على تطويرها ومواكبة التحولات الدولية باستمرار.
صفر مشاكل
ويشير إلى أن إستراتيجية "صفر مشاكل"، التي أُعلنت ضمن "المبادئ العشرة للخمسين عامًا المقبلة" عام 2021، أسهمت في تعزيز حضور الإمارات وعلاقاتها مع مختلف دول العالم، بما فيها إيران، معتبرًا أن هذا النهج يعكس رؤية مختلفة في إدارة العلاقات الدولية، تقوم على توسيع دوائر التواصل والحفاظ على قنوات مفتوحة مع أطراف متعددة، حتى في ظل التباينات والخلافات.
ومن جهته، قال مدير المركز العربي للبحوث والدراسات هاني سليمان، إن مشاركة الوفد الإماراتي في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك تكتسب أهمية خاصة في ظل التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة، باعتبارها فرصة أمام أبوظبي لطرح رؤيتها تجاه الأزمات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وإجراء اتصالات مباشرة مع عدد كبير من الدول والقوى الدولية، إلى جانب متابعة التحولات في مواقف الأطراف الرئيسة تجاه قضايا الأمن والاستقرار الإقليمي.
وأوضح سليمان لمنصة "المشهد" أن أهمية المشاركة الإماراتية ترتبط كذلك بالملفات الأمنية والإستراتيجية التي تمس منطقة الخليج بصورة مباشرة، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية والطاقة، والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب. وتوفر اجتماعات نيويورك، بحسب تقديره، مساحة للتنسيق مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج والدول العربية بشأن تداعيات هذه التطورات على أمن المنطقة، وعلى حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
المتغيرات الراهنة
وأشار إلى أن اللقاءات السياسية التي تُجرى على هامش اجتماعات الجمعية العامة قد تكون أكثر أهمية من الكلمات الرسمية أمام الجمعية نفسها، نظرًا إلى أن وجود القادة ووزراء الخارجية والمسؤولين الدوليين في نيويورك يتيح عقد لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف لبحث الملفات الحساسة، وتبادل التقديرات بشأن التطورات في الخليج واليمن وفلسطين والسودان، فضلًا عن مستقبل العلاقات الإقليمية في ضوء المتغيرات الراهنة.
وأضاف أن المشاركة الإماراتية تكتسب أهمية أخرى في ظل حاجة الدول العربية إلى تنسيق مواقفها إزاء الأزمات الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والحرب في غزة، ومستقبل الوضع في اليمن، وأمن البحر الأحمر، والعلاقات مع إيران، من هذا المنطلق، يمكن أن تشكل "التحركات الإماراتية في نيويورك جزءًا من مشاورات عربية أوسع بشأن سبل التعامل مع هذه الملفات، بالتوازي مع الحفاظ على قنوات الاتصال مع القوى الدولية المؤثرة".
ولفت مدير المركز العربي للبحوث والدراسات إلى أن للمشاركة الإماراتية بعدًا اقتصاديًا مهمًا، نظرًا إلى الارتباط المباشر بين التطورات الأمنية في الخليج والبحر الأحمر والمصالح التجارية والاستثمارية للإمارات، فضلًا عن مكانتها كمركز عالمي للذكاء الاصطناعي وللتجارة والخدمات اللوجستية والموانئ.
لذلك، "فإن أي ترتيبات إقليمية أو دولية تتعلق بأمن خطوط الملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد تكتسب أهمية مباشرة بالنسبة إلى أبوظبي، خصوصًا في ظل حساسية الاقتصاد العالمي تجاه اضطرابات الممرات البحرية الرئيسة"، بحسب سليمان، والذي يرى أن اجتماعات نيويورك تمثل كذلك منصة لتعزيز الحضور الإماراتي في النظام متعدد الأطراف، ليس فقط عبر الملفات السياسية والأمنية، وإنما كذلك في مجالات المناخ والطاقة والتنمية والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار.
ويمنح تعدد الملفات المطروحة أمام الوفد الإماراتي أبوظبي فرصة لربط سياستها الخارجية بأجندتها الاقتصادية والتنموية، وفقا لما يقول سليمان، بالإضافة إلى إبراز دورها كشريك في ملفات دولية تتجاوز نطاق الشرق الأوسط.
(المشهد)
