تتسارع الاتصالات غير المعلنة حول الملف الإيراني، وتتشابك مسارات التهدئة على جبهة لبنان، في مشهد تبدو فيه السياسة الأميركية وكأنها تتحرك بين أولويات متشعبة أكثر من كونها تعمل ضمن إطار إستراتيجي واحد متماسك.
وبينما تتصدر المفاوضات مع طهران واجهة الاهتمام الأميركي، بما تحمله من انعكاسات على أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، يطفو الملف اللبناني على ضفة مقابلة تتخللها جولات تفاوضية بين بيروت وتل أبيب برعاية واشنطن ، لكنه لا ينفصل تمامًا عن الحسابات المرتبطة بدور إيران الإقليمي وشبكة نفوذها في المنطقة.
مفاوضات إيران وأميركا
في هذا السياق، يقدم السفير الأميركي السابق لدى سوريا روبرت فورد، في مقابلة مع منصة "المشهد"، قراءة تعتبر أنّ ما يجري ليس مسارين منفصلين بقدر ما هو تداخل معقّد بين ملفات تُدار بمنطق البراغماتية والضغط المتبادل أكثر من أيّ رؤية شاملة طويلة المدى اتفاق نووي محدود مقابل تهدئة في منطقة الخليج.
يقول فورد إنّ أولوية إدارة ترامب تتمثل في التوصل إلى اتفاق مع إيران يتضمن "بعض القيود الأولية على البرنامج النووي الإيراني"، مقابل السماح باستئناف "الحركة التجارية الطبيعية في منطقة الخليج".
ويشير في ملاحظاته إلى أنّ هذا المسار لا يبدو أنه يهدف إلى تسوية شاملة بقدر ما يركز على إدارة المخاطر الفورية، خصوصًا تلك المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، واستقرار تدفق التجارة في الخليج.
لبنان.. الحل بعد إيران
وبحسب السفير فورد، فإنّ لبنان لا يحتل موقع الأولوية في حسابات واشنطن، إذ يُعتبر "ملفًا من الدرجة الثانية" مقارنة بالملف الإيراني. لكن في المقابل، يلفت إلى أنّ إيران تربط عمليًا بين مسارات التهدئة المختلفة في الإقليم، بما في ذلك حرية الملاحة في مضيق هرمز من جهة، ووقف إطلاق النار أو التهدئة في لبنان من جهة أخرى، ما يجعل هذه الملفات مترابطة داخل معادلة تفاوضية واحدة.
ويشير السفير الأميركي السابق إلى أنّ هدف الحد من النفوذ الإيراني في العراق ولبنان ليس جديدًا، بل هو "هدف مشترك بين إدارة ترامب والإدارات السابقة، بما فيها إدارة بايدن".
لكنّ الإشكالية، وفق قراءته، تكمن في أنّ واشنطن "لا تمتلك حاليًا إستراتيجية جديدة لاحتواء النفوذ الإيراني"، رغم استمرار هذا الهدف كعنوان ثابت في السياسة الأميركية.
فتح هرمز.. الثمن الباهض لترامب
ويعتبر فورد أنّ التحدي المرتبط بمضيق هرمز، يمثل أولوية ملحة للولايات المتحدة، نظرًا لانعكاسه المباشر على الأسواق العالمية وسلاسل الطاقة.
وفي هذا السياق، يشير إلى أنّ معالجة هذا الملف قد تتطلب "تنازلات مالية" لصالح إيران لضمان استمرار حركة الملاحة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على قدرة واشنطن في تحقيق هدفها الإستراتيجي الأوسع المتمثل في تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة.
في المحصلة، تعكس قراءة فورد مشهدًا إقليميًا تتحرك فيه واشنطن بين ضرورات اقتصادية عاجلة وأهداف سياسية طويلة المدى، من دون امتلاك أدوات واضحة لدمج هذه المسارات في إستراتيجية واحدة متماسكة.
وبينما تركز الإدارة الأميركية على احتواء المخاطر المباشرة في الخليج، تبقى مسألة النفوذ الإيراني الإقليمي في حالة إدارة مستمرة أكثر من كونها في مسار احتواء فعلي.
وبحسب مقاربة السفير الأميركي السابق لدى سوريا روبرت فورد ، يظل المشهد مفتوحًا على سؤال هل تستطيع واشنطن تحويل التفاهمات الجزئية مع إيران إلى إطار إستراتيجي شامل، أم إنّ الضرورات الاقتصادية ستفرض مسارًا سريعًا قد يكرس نفوذ طهران بدلًا من الحد منه؟
(المشهد)