استعرضت الأخصائية النفسية إيلينا حداد، خلال استضافتها في بودكاست "Mental Talk" المُذاع على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامية ريتا دبابنة، مجموعة من المحاور المتعلقة بالصدمات النفسية، وتأثير تجارب الماضي في الدماغ والجهاز العصبي والسلوك والعلاقات العاطفية، إضافة إلى سبل التعافي والعلاج النفسي.
وأوضحت حداد أنّ مصطلح "التروما" أصبح يُستخدم بصورة واسعة لوصف تجارب سلبية مختلفة، مثل الانفصال العاطفي، والمشكلات المهنية، والمواقف اليومية الصعبة، إلا أنّ المرور بتجربة مؤلمة لا يعني بالضرورة أن الشخص تعرّض لصدمة نفسية.
وأشارت إلى أنّ الصدمة أعمق من مجرد الشعور بالحزن أو الألم نتيجة حدث معين، وأنّ التجربة نفسها قد تترك أثرًا نفسيًا بالغًا لدى شخص، بينما يستطيع شخص آخر التعامل معها بصورة مختلفة.
كيف تؤثر تجارب الطفولة في حياتنا عندما نكبر؟
تناولت حداد العلاقة بين تجارب الطفولة وبعض الصعوبات النفسية التي قد تظهر في مرحلة البلوغ، مثل الخوف من الهجر، وفقدان الثقة بالآخرين، وصعوبة بناء علاقات عاطفية مستقرة.
وأوضحت أنّ الصدمات النفسية لا تحدث في الطفولة وحدها، بل يمكن أن يتعرض الإنسان لتجارب مؤلمة في مراحل مختلفة من حياته، إلا أنّ بعض التجارب المتكررة في سنوات الطفولة قد تترك آثارًا طويلة الأمد.
وتطرقت حداد إلى تأثير التجارب العاطفية السابقة في العلاقات اللاحقة، موضحة أنّ الشخص الذي تعرض للخداع أو الكذب أو الخيانة قد يدخل علاقة جديدة وهو يحمل مخاوف مرتبطة بما عاشه سابقًا.
وقد يبدأ بإسقاط هذه المخاوف على شريكه الحالي، حتى لو لم تصدر عنه تصرفات تدعو إلى الشك أو حتى لو كانت ظروف العلاقة الجديدة مختلفة عن العلاقة السابقة.
الحزن بعد الفقد: متى يكون طبيعيًا ومتى يصبح مشكلة؟
وفي حديثها عن فقدان الأحباء، أوضحت حداد أنّ البكاء والانهيار والحزن الشديد بعد الوفاة استجابات إنسانية طبيعية، ولا تعني وحدها أنّ الشخص يعاني من صدمة نفسية.
لكنها أشارت إلى أنّ بعض الأشخاص قد يواجهون صعوبة في مواصلة حياتهم، أو يستمر تأثير الفقد لديهم بصورة شديدة، بما يجعلهم بحاجة إلى تقييم نفسي متخصص.
هل يتذكر الجسم الصدمات التي ينساها العقل؟
وناقشت حداد المقولة الشائعة التي تفيد بأنّ الجسم يتذكر الصدمات حتى عندما ينسى العقل تفاصيلها، موضحة أنّ هذه العبارة تحتاج إلى قدر من الدقة العلمية.
فالدماغ مسؤول عن معالجة الذكريات وتخزينها، فيما يمكن للتجارب السابقة أن ترتبط باستجابات جسدية وانفعالية تظهر عند التعرض لمحفزات معينة.
Watch on YouTube
الصدمات النفسية تفسر السلوك لكنها لا تبرر إيذاء الآخرين
وأكدت حداد أنّ من أبرز النقاط التي ينبغي فهمها عند الحديث عن الصدمات النفسية، التمييز بين تفسير السلوك وتبريره.
فقد تؤثر التجارب المؤلمة في طريقة تعامل الإنسان مع الآخرين، وتجعله أكثر خوفًا أو غضبًا أو حساسية تجاه مواقف معينة. لكن فهم الأسباب النفسية لهذه التصرفات لا يعني اعتبارها مقبولة، خصوصًا عندما تؤدي إلى إيذاء الآخرين.
لماذا لا يساعدنا الهروب الدائم من الذكريات المؤلمة على التعافي؟
وحذّرت حداد من الاعتماد المستمر على تجنب المواقف والذكريات التي تثير مشاعر مرتبطة بتجربة مؤلمة، موضحة أنّ التجنب قد يمنح الشخص راحة مؤقتة، لكنه قد يساهم في استمرار الخوف إذا أصبح الوسيلة الأساسية للتعامل معه.
فقد يتجنب الإنسان أماكن معينة أو أحاديث أو علاقات أو مواقف تذكّره بالماضي، لكنه يظل متأثرًا بها كلما اضطر إلى مواجهتها.
هل يعني التعافي أن نتوقف عن التأثر بالماضي؟
وأوضحت حداد أنّ التعافي من الصدمات لا يعني نسيان ما حدث أو إنكار الألم الذي رافق التجربة. فقد تبقى الذكرى موجودة، وقد يشعر الإنسان بالحزن عند استحضارها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه ما زال يعيش تحت سيطرتها.
هل يتطلب العلاج النفسي استعادة كل تفاصيل الصدمة؟
وتناولت حداد مخاوف الأشخاص الذين يترددون في بدء العلاج النفسي خشية الاضطرار إلى استعادة تجارب مؤلمة أو الحديث عن تفاصيل لا يرغبون في استحضارها.
وأوضحت أنّ العلاج قد يتضمن التعامل مع مشاعر وذكريات صعبة، لكنه لا يقوم على إجبار الشخص على سرد كل التفاصيل دفعة واحدة، أو دفعه إلى مواجهة ما لا يشعر بالاستعداد له.
هل نحتاج إلى مواجهة الماضي كي نعيش الحاضر؟
وجمعت الحلقة بين مجموعة من الأفكار التي تتعلق بفهم التجارب المؤلمة والتعامل مع آثارها، من دون اعتبار الماضي حكمًا نهائيًا على مستقبل الإنسان.
فالتجارب السابقة قد تؤثر في الثقة بالنفس والعلاقات والاستجابة للمواقف المختلفة، لكن إدراك هذه الأنماط يمثل خطوة نحو التعامل معها بصورة مختلفة.
(المشهد)