غفلة تنتهي بكارثة.. أسرار متلازمة الطفل المنسي يكشفها الطب النفسي

آخر تحديث:

شاركنا:
حوادث نسيان الأطفال في المركبات ترتبط بفقدان الانتباه لا بخلل دماغي
هايلايت
  • متلازمة الطفل المنسي ليست تشخيصا طبيا بل حالة وصفية.
  • استشاري نفسي: الضغوط وتغير الروتين يزيدان خطر نسيان الأطفال.
  • علاء الفروخ: قلة النوم تعزز الاعتماد على الذاكرة التلقائية.

لا يخطر ببال أي أب أو أم أن يترك طفله داخل سيارة مغلقة في يوم حار، لكن الواقع المؤلم يكشف أن هذه الحوادث تتكرر بوتيرة مقلقة وأنها لا تقتصر على فئة بعينها.

آلاف الحوادث القاتلة

ويوم الاثنين، لقي طفلان حتفهما، بعد أن تُركا داخل سيارة مع استمرار موجة حر في أوروبا، وذلك في الوقت الذي سجلت فيه درجات الحرارة أرقاما قياسية في مدن فرنسية عدة.

وفي ولاية بادن فورتمبيرغ الألمانية، نسيت أمّ ابنتها البالغة من العمر 20 شهرا داخل السيارة أثناء ذهابها إلى العمل.

وعندما عادت بعد انتهاء مناوبتها، كان الوقت قد فات لإنقاذ الطفلة.

ومنذ أواخر التسعينيات، سُجلت آلاف الوفيات لأطفال بسبب ما يُعرف بـ"متلازمة الطفل المنسي" حيث تتحول المركبة في دقائق إلى بيئة قاتلة.

ومع تزايد الضغوط اليومية وتغير أنماط الحياة، باتت تساؤلات جوهرية عدة تُطرخ في هذا السياق: هل نحن أمام مشكلة إهمال، أم أمام خلل في الذاكرة العاملة يجعل حتى أكثر الآباء حرصا عرضة لهذا الخطأ الفادح؟ وكيف يمكن تفسير أن التغير البسيط في الروتين اليومي قد يقود إلى مأساة لا تُمحى؟

وتؤكد الأبحاث الحديثة أن هذه الظاهرة مرتبطة بآليات الدماغ التي تعمل وفق "النظام الاعتيادي"، ما يجعل السائق يسلك طريقه المعتاد وكأن الطفل قد أُسقط في الحضانة، بينما لا يزال في المقعد الخلفي.

وهنا تتداخل الضغوط النفسية من قلة النوم والتشتت الذهني لتصنع بيئة مثالية لانهيار الذاكرة.

متلازمة الطفل المنسي

ومن هنا، أكد رئيس جمعية الطب النفسي واستشاري الطب النفسي الدكتور علاء الفروخ أن ما يُعرف بـ"متلازمة الطفل المنسي" ليس تشخيصًا طبيًا معترفًا به بل مصطلح يُستخدم لوصف حالة قد ينسى خلالها أحد مقدمي الرعاية وغالبا أحد الوالدين، طفله داخل مكان مغلق، وفي معظم الحالات داخل السيارة.

وأكد الفروخ في تصريحات لمنصة "المشهد" أن خطورة هذه الحالة تكمن في بقاء الطفل داخل مركبة مغلقة لفترة طويلة، خصوصا في ظل ارتفاع درجات الحرارة أو ضعف التهوية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، وقد ينتهي في بعض الحالات بوفاة الطفل.

ولفت إلى أن ما يحدث في هذه المواقف لا يعتبر فقدانا للوعي أو خللا عضويا في الدماغ، وإنما يرتبط أساسا باضطراب مؤقت في الانتباه والتركيز.

وتابع الفروخ: "فالشخص قد يكون مثقلا بالضغوط والمسؤوليات اليومية، ما يجعله ينسى أن الطفل لا يزال داخل السيارة، أو يتوهم أنه أوصله بالفعل إلى الحضانة أو المدرسة قبل أن يتابع طريقه إلى العمل".

غفلة لحظية أم فقدان إدراك؟

وأضاف أن هذه الحالات لا تعكس وجود مشكلة عصبية أو خلل إدراكي دائم، حيث إن الفحوص الطبية للدماغ لا تُظهر عادة أي اضطرابات عضوية لدى الأشخاص الذين يمرون بهذه التجربة.

ويرى الفروخ أن العامل الأبرز وراء هذه الحوادث هو تراجع مستوى التركيز والانتباه في لحظة معينة، سواء بسبب الإرهاق أو الانشغال الذهني أو الروتين اليومي المتكرر.

ولفت إلى أن الظاهرة لا ترتبط بنمط شخصية محدد، لكنها قد تكون أكثر شيوعا لدى الأشخاص الذين يتحملون أعباء كبيرة ويعيشون تحت ضغط نفسي مستمر.

كما أن تغير الروتين المعتاد قد يزيد احتمالية وقوعها مثل الحالات التي يتناوب فيها الأبوان على إيصال الطفل إلى الحضانة، فيتولى أحدهما المهمة في يوم غير معتاد بالنسبة له.

وفي ما يتعلق بدور النوم والذاكرة، اعتبر الفروخ أن قلة النوم لا تؤدي بالضرورة إلى تعطيل الذاكرة التلقائية، بل على العكس قد تجعل الإنسان يعتمد عليها بشكل أكبر.

وأشار إلى أن الذاكرة التلقائية هي تلك المرتبطة بالعادات والأنماط اليومية المتكررة، مثل التوجه مباشرة إلى مكان العمل كل صباح.

وتابع: "عندما يطرأ تغيير على هذا الروتين، كإيصال الطفل إلى الحضانة قبل الذهاب إلى العمل، قد تستمر الذاكرة التلقائية في توجيه السلوك المعتاد، فيتجاوز الشخص المحطة المفترضة دون أن ينتبه".

ويرى الفروخ أن ما يحدث في معظم الحالات هو فقدان لحظي للانتباه أكثر منه فقدانا للإدراك "فالشخص لا يكون مدركا في تلك اللحظة أن الطفل لا يزال داخل السيارة، أو قد ينسى أساسا أنه اصطحبه معه منذ البداية".

وبيّن أن بعض الحالات تنتهي باستعادة التذكر بعد دقائق أو ساعة من وقوع الحادثة، لكن هناك حالات أقل شيوعا قد يقتنع خلالها الشخص بأنه أوصل الطفل بالفعل إلى وجهته، وهو ما يصفه بحالة مؤقتة من الانفصال الذهني الجزئي، حيث تتكون لديه صورة ذهنية غير مطابقة للواقع.

جرح نفسي لا يندمل

وعلى الصعيد الإنساني والأخلاقي، أشار الفروخ إلى أن المجتمع غالبًا ما يتجه إلى إلقاء اللوم المباشر على الوالدين عند وقوع مثل هذه الحوادث ووصمهما بالإهمال.

وقال: "غير أن الواقع قد يكون أكثر تعقيدًا، حيث يمكن أن تؤدي الضغوط النفسية والإرهاق الشديد إلى تراجع مؤقت في الانتباه والإدراك، ما يجعل الحادثة تقع من دون قصد أو إهمال متعمد".

وأكد أن من أبرز التحديات التي تواجه الأسر بعد وقوع مثل هذه المآسي نظرة المجتمع القاسية، إلى جانب المشاعر النفسية العنيفة التي قد يعيشها الوالدان، مثل تأنيب الذات والشعور بالذنب.

وقال الفروخ إنه في بعض الحالات، قد تتطور هذه المشاعر إلى اضطرابات نفسية حادة أو نوبات اكتئاب شديدة تتطلب تدخلًا علاجيًا ودعمًا متخصصًا.

(المشهد)