لولا كأس العالم.. ما كان لميسي أن يكون ميسي!

آخر تحديث:

شاركنا:
سهيل الحويك يتساءل: هل استحق ميسي هذا الوداع الهائل؟ (رويترز)

كنتُ، يومها، أتابع عبر شاشة التلفزة مباراة ضمن الدوري المحلي لكرة القدم خلال فترة عملي في الكويت قبل عقد من الزمن. لم يكن لقاءً يجمع بين فريقين جماهيريا. فقد تناثر 10 متفرجين في مدرجات خالية، لدرجة أنّ صدى صافرة الحكم تردد بوضوح في أرجاء الملعب، ومنه إلى مسمعي.

متابعة المباراة جاءت من باب أداء واجب كي "نأخذ النتيجة" مع تفاصيل عابرة إبّان "العصر الذهبي" للإعلام المكتوب.

لا أذكر هوية الفريقين. ما علق في ذهني هدفٌ رائع سُجّل بنفحة فنية نادرة، لدرجة دفعتني إلى التساؤل: ماذا لو كان الأرجنتيني ليونيل ميسي صاحب الهدف؟

لم يستلزم الرد سوى برهة، لكنه بقي محصورا في مخيلتي ولم أُفصح عنه لأحد: يُنظر لما يفعله ميسي على أنه إعجاز، بينما لا يحظى من يؤدي "لمحة أسطورية" بالقدر ذاته من التقدير، فيما لو أدّاها نفسَها الأرجنتيني.

غلب عليّ الشك في قدرة ميسي على تسجيل نسخة طبق الأصل من ذاك الهدف الذي لم يصدق حتى صاحبه بأنّ محاولته انتهت بكرة في الشباك.

ليونيل نافس على مستوى لا يُقارَن بالدوري الكويتي، لكنّه وُجد حيث تستحق موهبته. أما صاحب الهدف "الكويتي" الجميل فوُجد، هو الآخر، حيث يجب. المعادلة قائمة على النسبية. فلمَ لم ينل "الكويتي" حقه عالميا من هدف، لو حمل توقيع الأرجنتيني، لـ "كَسَّرَ الدنيا"؟

أيقنت بأنّ ميسي، مهما فعل أو لم يفعل، سيبقى في نظر كثيرين أفضل ما أنجبت الملاعب.

جماهيره تشكّلت من مجموعة كبيرة من عشاق نادي برشلونة الإسباني، قبل أن يلتحق بهم مَن تعلّق باللاعب أينما حلّ وارتحل ومع منتخب بلاده.

عشقٌ دفع هؤلاء لوضع ميسي في منزلة أفضل لاعب على الإطلاق، من دون مراجعة مباريات مواطنه دييغو مارادونا والبرازيلي بيليه تحديدا.

البعض اعتبر بأنّ كرة القدم لا يمكنها أن تنجب أفضل، لكنّ ذلك ينطلق من معايير ذوقيّة قد تشوبها ألف شائبة. آخرون رفضوا مقارنة "ليو" بغيره، انطلاقا من تشبّثٍ بموقفٍ هم نفسهم لا يعلمون كيف وُجدوا فيه.

اعتبروا، يوما، بأنّ ميسي لا يحتاج إلى التتويج بكأس العالم لإثبات أفضلية على أحد. وعندما رفع الكأس الغالية في سماء الدوحة عام 2022، سارعوا قائلين: فاز بها، عادل مارادونا وبيليه. هو الأفضل تاريخيا.

مشهدٌ متناقض بين حقيقة آمنوا بها وواقع دسّوه لتفعيل ردهم على من عارضهم في موقفهم من اللاعب.

توزيع الأدوار

مَن يتذكر أهدافا مقصّيةً لميسي؟ لم تكن من اختصاصه. كان يفعل، ربما، ما هو أكثر تعقيدا. في 6 أغسطس 2022، سجل هدفا مقصّيا لباريس سان جرمان في شباك كليرمون فوت في افتتاح الموسم 2022-2023 للدوري الفرنسي.

الأهداف المقصّية ترسخ في الذاكرة أكثر من غيرها بالنظر إلى جماليتها وصعوبتها، لكنّ ميسي لم يسجل الكثير منها. هذا غير مطلوب منه أساسا. هذه النوعية من الأهداف ليست كرة القدم، بل جزء رائع منها. هي لعبة جماعية تعيش على توزيع الأدوار. لذا، لا يجدر القول، ربما، بأنّ ثمة "لاعبا متكاملا"، بل حارس متكامل، مدافع متكامل، لاعب وسط متكامل و/أو مهاجم متكامل.

بين "الهدف الكويتي ونجوم كثر عرفتهم الملاعب"، وميسي، لا يتفوق الأخير سوى بالاستمرارية التي ما نافسه فيها أحد، إلا البرتغالي كريستيانو رونالدو نسبيا.

"ليو" لم يكن يوما نجم الهدف الواحد أو التمريرة الحاسمة الواحدة. كان المحور، واللعبة كلها تدور حوله، من زملاء وخصوم وجمهور وإعلام.

لم يحتج إلى لمحة تاريخية لترسيخ صورته الأسطورية، فهو "أسطورةُ كلِّ يوم".

لكن مهما كان، لا يجدر النظر إلى اعتزاله دوليا من زاوية ضيقة. البعض اعتبر بأنّ "كرة القدم انتهت" وأعلن حالة من "الحداد"، رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي يشعر فيها عشاق اللعبة باليأس.

فعندما اعتزل بيليه والأرجنتيني - الإسباني ألفريدو دي ستيفانو، قيل إنّ كرة القدم فقدت الهيبة والمتعة.

وفي السبعينيات، قاد الهولندي يوهان كرويف ثورة "الكرة الشاملة" بمنافسة مباشرة مع الألماني فرانتس بكنباور. وعندما ترجلا عن "عرش النجومية"، شعر العالم بفراغ هائل تكتيكيا وفنيا.

ثم جاء مارادونا ليعيد تعريف "المستحيل". تبعه في التسعينيات ساحران، هما البرازيلي رونالدو والفرنسي زين الدين زيدان.

ومع اعتزال كلٍّ من هؤلاء، اعتقد الجمهور بأنه لن يرى مثيلا لهم، لكنّ اللعبة استمرت لتنجب "حقبة الإعجاز الرقمي والفني" التي تقاسمها ميسي ورونالدو لأكثر من عقدين.

وداع هائل

هل استحق ميسي الوداع الهائل الذي تابعته ثلاثة مليارات نسمة حول العالم؟ هل خدمته الظروف ليحظى بكل الاهتمام؟ هل كان ثمة حاجة لهذه البهرجة على ملعب "مونومنتال" في بوينس آيرس"؟

أرجنتينيا، نعم. وربما لا، أيضا. ميسي نفسه كان حاضرا في السقطات المتتالية لمنتخب بلاده في كأس العالم منذ 2006. كان هناك في ربع نهائي 2010 عندما رضخ "راقصو التانغو" لألمانيا برباعية فضائحية. ماذا فعل حينها؟ لا شيء.

عانى لفترة من ضعف الشخصية القيادية مقارنةً بمارادونا ورونالدو. تعرّض لانتقادات لاذعة بـ "الاستسلام" عند الخسائر الكارثية مع برشلونة في دوري أبطال أوروبا، تحديدا أمام بايرن ميونيخ الألماني 2-8.

جرى انتقاد "البرغوث" نتيجة قلة الجهد. فمع تقدمه في السن، وخصوصا في فترته مع سان جرمان وإنتر ميامي الأميركي، أصبح يقضي أجزاءً طويلة من المباريات وهو يمشي دون ممارسة ضغط دفاعي لدى فقدان الكرة.

ولا ننسى "متلازمة النظام الواحد" وعدم الخروج من "منطقة الراحة" مبكّرا. فقد قضى أفضل 17 عاما من مسيرته في بيئة مجهزة بالكامل لخدمته داخل نادي برشلونة. انتُقد على رفضه خوض تحديات في دوريات أخرى في ذروة عطائه، على عكس رونالدو.

انتقاد آخر وُجّه له حول التحكم بغرف الملابس وصناعة القرار، وصولا لاعتبارها ديكتاتورية خفية. فقد واجه تهما مستمرة من الإعلام في الأرجنتين وإسبانيا، بأنه يتدخل في اختيار المدربين واللاعبين.

ولا يمكن التغاضي عن عجزه في دوري الأبطال مع برشلونة وسان جرمان بعد 2015، تاريخ تتويجه الأخير باللقب. عُيِّب عليه الاختفاء في مباريات إقصائية كبرى خارج الديار لمواسم عدة.

كثيرون اعتبروا ميسي "مثال الأخلاق" وحاربوا، من خلال ذلك، كل من يدّعي بأنّ مارادونا أفضل، خصوصا أنّ الأخير عرف حياة شخصية صاخبة. لكنّ "البرغوث"، لمن لا يعرف، عاش قضايا مالية، ما مَسّ صورة "الفتى الهادئ والمثالي" عام 2016 حين أدانته المحاكم مع والده بتهمة التهرب الضريبي بـ4.1 مليون يورو، وحُكم عليه بالسجن 21 شهرا مع وقف التنفيذ ودفع غرامة ضخمة.

يوم أسود

استوقفني تصريح لزميل سابق لميسي، الإسباني تشافي هرنانديز قال فيه: "سيكون يوم اعتزاله يوما أسود في تاريخ كرة القدم. سنشعر بأننا فقدنا جزءا من المتعة اليومية."

مدرب أتلتيكو مدريد الإسباني، الأرجنتيني دييغو سيميوني، ذكر قبل فترة: "ميسي هو كرة القدم. بعد اعتزاله، ستصبح اللعبة أكثر توازنا وواقعية، لأنّ وجوده في الملعب كان يلغي التكتيك ويصنع الفارق."

مواطنه الآخر، خورخي فالدانو، الفائز بكأس العالم 1986، قال: "اللاعب الذي سيأتي بعد ميسي لن يواجه مقارنة بشرية، بل مقارنة مع كائن فضائي. اعتزاله سينهي حقبة الكمال الكروي".

لكن هل يجرؤ أحد على انتقاد ميسي؟ ما الذي يدفع المتابع إلى غضّ النظر عن فترات سيئة في مسيرته، على مستوى الأندية أو المنتخب؟ هل يجدر القول بأنّ ما حققه سابقا يغطي إخفاقات تالية، وأنّ ما حققه تاليا يمحو فشل الماضي؟

هل ننسى التصدي الخرافي للحارس إيميليانو مارتينيز في لحظة أخيرة من نهائي مونديال 2022؟ ماذا لو سجل الفرنسي راندال كولو مواني هدف الـ 4-3 وتوّج "الديوك"؟ أين كان ميسي في تلك اللحظة؟ حتى في نهائي 2026، أين كان؟

أوصل بلاده إلى النهائي أمام إسبانيا؟ صحيح، لكنّ العبرة في الخواتيم مع كامل التقدير للسنوات الـ 39 التي أثقلت كاهله. لكنه "ليو". هو من رفع الرهان. هو نفسه من غاب تماما عن لقاء القمة.

وداعُ ميسي ما كان ليحمل كل ما حمله من معانٍ لولا قطر التي تُوّج على أرضها بكأس العالم بعد فاصلين من ركلات الحظ الترجيحية، أمام هولندا في ربع النهائي وفرنسا في النهائي.

حصل على التقدير المناسب "يوم الوداع"، مع بعض المبالغة. فهو لم يكن صاحب الهدف الكويتي النادر "بمعانيه الموسّعة وليس الضيقة"، ولأنّ حسن الطالع في "قطر" رفع مقداره إلى القمة.

رحيل ميسي ليس نهاية كرة القدم، بل ختام حقبة ذهبية فردية كان سلاحها الأمضى الاستمرارية... وتتويجا بعد "فاصلَي ركلات ترجيح ناجحة" في قطر.