المغرب جزيرة: بين عمق الاستعارة وخطأ السياق

شاركنا:
سباطة: تصاعد خطاب الكراهية يجب أن يقابل بوقفة حازمة

تابع الجميع ما جرى في نهائي بطولة كأس إفريقيا التي نظمت في المغرب، بين المنتخب المغربي ونظيره السينغالي، عندما غادر رفاق ساديو ماني الملعب احتجاجا على احتساب الحكم الكونغولي ضربة جزاء لصالح المغاربة في الأنفاس الأخيرة للمباراة، مع اندلاع اشتباكات بين الجمهور السينغالي والمكلفين بتأمين الملعب.

لا داعي لاستعادة تفاصيل ما وقع، ولا حاجة لنا هنا بتحليل أبعاد الواقعة وحيثياتها، وهل كانت عفوية، أم مخططا لها ضمن سياق إعلامي استهدف المستوى التنظيمي المتميز للبطولة، فهذا مما أسيل حوله حبر كثير، بين العقلانية والبارانويا المؤامراتية.

الغضب المتراكم والمكتوم

ما يلفت الانتباه حقا، ويستدعي تأملا حقيقيا، هو ما بعد الواقعة، وانتهاء المباراة (بعد تمديدها إلى وقت إضافي) بفوز السينغال، إذ تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء للتنفيس عن الغضب المتراكم والمكتوم، بلغ أوجه باستدعاء مقولة المفكر المغربي البارز عبد الله العروي الشهيرة: "المغرب جزيرة... ويجب أن نتصرف كسكان جزيرة".

وهكذا "انزلق" جزء من تداول المقولة (التي ذكرها العروي في حوار تلفزي قبل أزيد من 20 سنة) نحو معنى انعزالي صريح، تحول إلى دعوات حقيقية لطرد المهاجرين والمقيمين الأفارقة بالمغرب، والتحريض ضدّهم، أو تحميلهم مسؤولية توترات مرتبطة بالمباراة، فيما بدت التحذيرات العقلانية من لدن مثقفين وأكاديميين وعقلاء أشبه بهمسات خافتة، وسط بحر من الانفعالات المتفلتة من عقالها، مع تصاعد خطاب الكراهية ورُهاب الأجانب، بما يستوجب وقفة حازمة، تنحي العواطف جانبا، وتستلهم شيئا من الحكمة الواجبة في مثل هذه الظروف.

هنا بالضبط تظهر مشكلة الاقتباس المبتور: فعندما استخدم العروي استعارة "الجزيرة" لم يكن غرضه التأسيس لوطنية شوفينية أو قطيعة مع إفريقيا، فالواضح أنه وصف وضعا تاريخيا وجيوسياسيا شديد التعقيد: بلد يتموضع في "طرف" العالم المتوسطي، محاط ببحر ومحيط وحدود مغلقة، وجد نفسه مضطرا إلى تحويل العزلة المفروضة أحيانا إلى تماسك داخلي ويد ممدودة نحو الجميع لخلق شراكات إستراتيجية تستفيد منها كل الأطراف.

العروي نفسه عاد وتراجع عن هذه المقولة لاحقا، ربما لإدراكه مدى خطورة إعادة توظيفها في سياقات بعيدة تماما عن قصده، وأيضا لأنه مفكر حقيقي لا يؤمن بالجمود المفاهيمي، ويسمح لأفكاره بالتداول والنقد وأيضا إعادة التقييم والتطوير، وربما التراجع عن بعضها حتى، إن ثبت عدم ملاءمتها للقصد المرجو.

دعوات "الطرد الجماعي" هذه غير بعيدة عن تصاعد مقلق في خطاب "يميني" متطرف تسلل شيئا فشيئا إلى الفضاء الافتراضي (قد نعود إليه لاحقا لتفسير أبعاده وخطورته في مقال آخر)، يتلبس لباس الوطنية ليبث رسائل لا تبتغي إلا الفصل التام للمغرب عن محيطه، وهو ما لن يقبله السياق التاريخي ولا المنطق الجغرافي.

عودة المغرب

تصطدم هذه الدعوات أيضا بواقع مغربي لا يسمح بمثل هذه "البساطة الشعاراتية". فقد اعتمد المغرب منذ سنوات سياسة هجرة جديدة، تبعتها تسوية استثنائية، نتج عنهما تقنين وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين القادمين من دول جنوب الصحراء، ضمن توجه رسمي يقرّ بأن المغرب لم يعد فقط بلد عبور (قانوني وسري) كما كان طيلة عقود، بل بلد إقامة أيضًا. كما تظهر المعطيات الرسمية استمرار الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، ما يجعل المقاربة الواقعية والأفيد للمغرب في التنظيم والإدماج ومحاربة الاستغلال، لا التحريض.

تتجاوز "استحالة الطرد" هنا جانبها القانوني والإنساني، لتشمل أيضا بعدا جيوسياسيا: فقد عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي بعد عقود من الغياب، وبنى خلال سنوات قليلة شبكة واسعة من العلاقات والمصالح الاقتصادية والدبلوماسية المتبادلة داخل القارة. ولم يعد خافيا على أحد اختيار المغرب توظيف كرة القدم والبنيات التحتية والروابط القارية ضمن دبلوماسية ناعمة تستند إلى تعزيز الحضور الإفريقي لا الانزواء بعيدا عنه، بل إن مبادرات اقتصادية أخرى، مثل فتح منفذٍ لدول الساحل نحو الأطلسي عبر موانئ المغرب، تُبرز أن "الجنوب" لم يكن أبدا هامشا في تصور الدولة المغربية، بقدر ما كان جزءا من هندسة المصالح المشتركة والطبيعية بين الدول.

لذلك، فإن رفع شعار "المغرب جزيرة" كذريعة لإقصاء الأفارقة، بعيد كل البعد عن إعادة إنتاج فكر العروي، فهو يعكس هنا توترًا اجتماعيًا وبحثا عن ذريعة ما بعد هزيمة رياضية (نتفق أنها لم تكن طبيعية ويصعب التعامل معها بمعزل عما سبقها من شحن إعلامي غير مسبوق)، فالمفارقة أن الاستعارة التي قُصد بها فهم شروط الصمود في عالمٍ معادٍ، تُحوَّل إلى أداة سلبية بيد من لا يفهمها، بينما الواقع يقول إن المغرب، بتاريخه وسياسته واقتصاده، ليس جزيرة منفصلة معزولة، بل مركز وعقدة وصل إفريقية-متوسطية، ومسؤوليته الأخلاقية والسياسية أن يحمي هذا المعنى لا أن يهدمه، وإن كان الثمن لقبا كرويا ما زال مستعصيا على منتخب زاخر بالمواهب، وجمهور يتنفس عشق كرة القدم.