"مناسبة وطنية".. هذا ما تستحق أن تسمى به المباراة بين ناديي الحكمة والرياضي ضمن بطولة لبنان لكرة السلة، مهما اختلفت مناسبتها، لكنها ما كانت لتأخذ أبعادها الرياضية القصوى لولا ارتباطها بواقع البلد، من زاوية اجتماعية واقتصادية.
وعندما يتعلق الأمر بالمباراة الـ6 من سلسلة النهائي، فإنّ الموقعة تجذب حولها الجميع، صغاراً، كباراً من الجنسين، سياسيين، رجال أعمال، ومن عامة الشعب.
مباراة الليلة يستضيفها "ملعب غزير" الواقع على بُعد 27.2 كيلومترا شمال العاصمة. صالة يتخذ منها نادي الحكمة بيروت، القادم من منطقة الأشرفية (ضمن المنطقة الشرقية المسيحية إبّان الحرب الأهلية)، ملعباً خاصاً بمبارياته، وهو يعي بأنّ الخسارة ممنوعة كونه يتخلّف عن غريمه الرياضي، القادم من منطقة المنارة (ضمن المنطقة الغربية المسلمة إبّان الحرب الأهلية)، بمباراتين مقابل 3.
ويبقى السؤال: هل يعادل الحكمة السلسلة 3-3 ليتأجل الحسم إلى مباراة 7 مجنونة أخيرة في المنارة أم يحسم الرياضي أمره ويتوّج بطلاً في عقر دار خصمه التاريخي؟
حرب أهلية
الأنظار ستتجه إلى "المباراة الـ6"، لكن ليس فقط لمتابعة ما ستؤول إليه السلسلة، بل لرصد النبض الاجتماعي والاقتصادي المتأتّي من مواجهة تحولت إلى ساحة مفتوحة من تناقضات المجتمع.
يخوض الفريقان المواجهة المباشرة بينهما عادةً في غياب جمهور الضيف تحاشياً لوقوع أعمال عنف "معتادة"، والتي اعتبرت دوماً امتداداً للصراع "المسيحي - المسلم" المتوارث من الحرب الأهلية، وإن بأوجه مختلفة رغم أن التشكيلتين تضمان لاعبين مختلفين عن صبغة كل منهما، بينهم كريم زينون القادم من منطقة رومية المتنية المسيحية والمشعّ في صفوف الرياضي، وعلي حيدر وعلي مزهر الناشطان في صفوف الحكمة.
مهما يكن الأمر، فإن كرة السلة باتت المتنفس الشعبي الأول للجمهور اللبناني، متفوّقةً على كرة القدم التي تعيش في ظلها، ولا شك في أن بعض الفضل في ذلك يعود إلى الناديين البيروتيين.
فرضت هذه اللعبة نفسها في ظل ظروف صعبة تمرّ بها البلاد، لكن ثمة خشية من تحوّل الشغف في المدرجات إلى أرضية لتفريغ الاحتقان بسبب الضغوطات اليومية، وإلى تعصّب وشتائم تمس معتقدات دينية وأعراضاً في بلد قائم على توازنات طائفية حسّاسة.
هي رياضة جميلة، بلا شك، لكن ارتداداتها قد تكون "قبيحة" للغاية لأن المدرجات تبقى مرشحة لإعادة إنتاج اصطفافات سياسية وبالتالي فتنة مجتمعية.
جمهور كرة السلة اللبنانية هو أحد النجوم الأساسيين في اللعبة إلا أنّ ما رافق المواجهة الـ3 في المنارة من تعديات لفظية تحديداً أصابت أعراض لاعبي الحكمة، خصوصا النجم الصاعد يوسف خياط، متلازمةً مع دعوات للتهدئة بعدها، كل ذلك يشير إلى حاجة كبيرة للعمل على الجمهور كي يرتقي لمستوى الصورة الحضارية للعبة، بعيداً عن التعصب، بمختلف منطلقاته.
حالة اكتئاب
عاشت المقاهي، المطاعم، والحانات في مختلف المناطق اللبنانية بحبوحةً كبرى خلال فصل الصيف بفضل نقل مباريات بطولة كأس العالم لكرة القدم، وهي الحدث الذي لطالما عاشه اللبنانيون بشغف رغم أن منتخبهم لم يخض ولو حتى نسخة واحدة من "العرس" الذي انطلق في العام 1930. وجاءت السلسلة النهائية لدوري كرة السلة في وقتها كي تقضي على حالة الاكتئاب التي تلي عادةً المونديال نتيجة المتابعة اليومية لأحداثه ومبارياته.
فقد عادت المقاهي والمطاعم نفسها لاستقبال الروّاد من عشاق كرة السلة، الأمر الذي يؤشر إلى أنها قطاع إنتاجي يحرك العجلة الاقتصادية، وإن مؤقتاً، من دون أن ننسى عشق المغترب اللبناني للعبة والبطولة بحد ذاتها وحرصه على المتابعة من خلال شاشات التلفزة ومنصات البث الرقمي، ما يرفع قيمة الإعلان التجاري ويضخ الأموال.
أهمية الموقعة أيضاً تدفع الجمهور للتهافت بغية الحصول على تذكرة لحضور المباراة من الملعب، الأمر الذي يفرز أحياناً سوقاً سوداء تعكس الاختلاف في القدرة الشرائية بين طبقة وأخرى.
البطل المطلق
يعتبر الرياضي البطل المطلق لكرة السلة اللبنانية رغم التناقض في السجلات التي يشير أحدها إلى 38 لقباً حصدها منذ الانطلاقة الأولى في 1951. حتى في الصيغة الاحترافية الحديثة التي انطلقت عام 1992، فإن الرياضي هو الزعيم بـ 19 لقباً مقابل 8 فقط للحكمة الوصيف.
الحكمة مرّ بسنوات عجاف بعد ابتعاد "عرّاب اللعبة"، رئيسه السابق الراحل أنطوان الشويري، عن الساحة، نتيجة خلافات إدارية حادة ورغبته في تحويل النادي إلى مؤسسة مستقلة لا تعتمد على تمويل شخص واحد، عدا التجاذبات السياسية وحالته الصحية وأعماله الخاصة. واقعٌ أبعد الحكمة عن مسرح الصراع فيما بقي الرياضي متمسكاً بموقعه الريادي.
خلال تلك الفترة، كان الجميع يطالب بعودة الحكمة، حتى جماهير الرياضي، لعلمها بأن الناديين يمثلان معاً ذاك الصراع المبتغى.
ومنذ أن تولت الإدارة الجديدة بقيادة الرئيس الفخري والداعم الرئيسي، نائب حزب القوات اللبنانية، جهاد بقرادوني، مقدرات النادي، في 2022، حاول "الفريق الأخضر" وضع حد لهيمنة الرياضي من خلال بلوغه النهائي في الموسمين الماضيين مع ميزانية كبيرة لكن "الأصفر" كان يحرمه دائماً ولوج النقطة الأعلى من منصة التتويج الساعي إليها منذ 2004.
اللافت أنّ الحكمة حقق معظم ألقابه الـ8 على حساب الرياضي (5)، فيما حصد الأخير 8 ألقاب من أصل 19 على حساب "الأخضر".
اتفاق ضمني
يتناقل لبنانيون عاشوا مؤامرات من كل نوع، أخباراً عن اتفاق ضمني بين الحكمة والرياضي لإطالة عمر السلسلة، ما يعود عليهما واتحاد اللعبة والجهة الناقلة بأرباح إضافية. لكن كل ذلك يبقى في إطار انعدام ثقة الشعب في "كل شيء".
يشبه نادي الرياضي بقيادة أحمد فران الذي يدرب في الوقت نفسه منتخب لبنان، إلى حد بعيد، إسبانيا المتوجة بمونديال 2026 من ناحية الإيمان بالمنظومة والمجموعة. فهو رغم إصابة نجمه الأول وائل عرقجي وقبله الأميركي ماركوس جورج هانت، وغيابهما عن سلسلة النهائي، فإنه يجد نفسه اليوم على بعد فوز من التتويج.
من جانبه، يشبه الحكمة بأسلوبه منتخب الأرجنتين القائم على ليونيل ميسي، إذ يعتمد المدرب جو غطاس بشكل أساسي على مردود الأميركي ديشوندري واشنطن.
الجميع ينتظر "المباراة السادسة"، اليوم، في غزير. ليست مجرد فرصة للحكمة لفرض مباراة حاسمة، ولا فرصة للرياضي للتمسك باللقب. تبدو أقرب إلى امتحان متجدد لاكتشاف مدى وعي المجتمع اللبناني.
