من سوريا إلى لبنان.. "حزب الله" يتودد للشرع ويخون عون

آخر تحديث:

شاركنا:
جوزيف عون وضع "حزب الله" أمام استحقاق الدولة (رويترز)

في السياسة كما في الحياة، تكشف الأولويات الحقيقية لأي طرف من خلال سلوكه لا من خلال شعاراته.

ومن يتابع أداء "حزب الله" خلال الأشهر الأخيرة يلحظ مفارقة سياسية يصعب تجاهلها: الحزب الذي يخوض مواجهة مفتوحة مع الدولة اللبنانية عندما يتعلق الأمر بحصرية السلاح أو بقرار الحرب والسلم، يظهر في المقابل قدراً كبيراً من الليونة والانفتاح تجاه السلطة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع.

وكأن الحوار مع الخارج أسهل من الحوار مع الدولة اللبنانية، وكأن التفاهم مع دمشق الجديدة أكثر أهمية من التفاهم مع بعبدا.

هذه المفارقة لا تتعلق بتفصيل سياسي عابر، بل تكشف أزمة عميقة في نظرة الحزب إلى مفهوم الشرعية نفسه.

فحين يكون رئيس الجمهورية اللبنانية، جوزيف عون، صاحب أعلى موقع دستوري في البلاد، يصبح احترام موقعه واحترام الدولة التي يمثلها واجباً وطنياً قبل أن يكون خياراً سياسياً.

أما عندما يتحول رئيس الجمهورية إلى خصم سياسي فقط لأنه يطالب بتطبيق الدستور وحصر السلاح بيد الدولة، فإن المشكلة لا تعود في الرئيس، بل في الجهة التي ترى في الدولة منافساً لها.

منذ انتخاب عون رئيساً للجمهورية، رفع شعاراً واضحاً: بناء الدولة واستعادة قرارها السيادي، وتعزيز دور الجيش والمؤسسات الشرعية.

وهي أهداف لا يفترض أن تثير حساسية أي حزب يؤمن بالدولة، لكن ما حدث كان العكس تماماً.

حصر السلاح

فكلما اقترب الحديث من حصرية السلاح أو من تعزيز سلطة الدولة، ارتفعت نبرة الاعتراض لدى "حزب الله"، وكأن المطلوب أن تبقى الدولة ضعيفة حتى لا تشكل بديلاً عن الدور الذي اعتاد الحزب القيام به خارج مؤسساتها.

المفارقة أن الحزب نفسه الذي يرفض تقديم أي تنازل للدولة اللبنانية، يظهر استعداداً واسعاً للتكيف مع الوقائع الجديدة في سوريا.

فمنذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، حرصت قيادة الحزب على تجنب أيّ صدام سياسي معه، بل سعت إلى إرسال رسائل إيجابية تؤكد الرغبة في التعاون وفتح صفحة جديدة.

فجأة أصبح الحوار ممكناً، والواقعية السياسية مطلوبة، والتكيف مع المتغيرات ضرورة، أما في لبنان، فكل دعوة إلى الواقعية السياسية تُصوَّر وكأنها استهداف للمقاومة أو تنازل عن الثوابت.

السؤال الذي يطرحه كثير من اللبنانيين بسيط ومشروع: إذا كان "حزب الله" قادراً على التكيف مع التحولات في دمشق، فلماذا يعجز عن التكيف مع التحولات في بيروت؟ وإذا كان مستعداً للتعامل بإيجابية مع سلطة جديدة في دولة أخرى، فلماذا يواجه رئيس الجمهورية اللبنانية بهذا الكم من التشكيك والرفض وحتى التخوين؟

الجواب يكمن على الأرجح في طبيعة المشروع السياسي للحزب نفسه.

فالمشكلة ليست في الأشخاص، لا في أحمد الشرع ولا في جوزيف عون، المشكلة أن الدولة اللبنانية القوية تشكل تحدياً لمعادلة بناها الحزب طوال عقود، تقوم على وجود قرار إستراتيجي خارج مؤسسات الدولة.

ولذلك فإن أي رئيس يطالب باستعادة الدولة لدورها الطبيعي يتحول تلقائياً إلى مصدر إزعاج سياسي، حتى لو كان يحظى بشرعية دستورية وشعبية واسعة.

لكن ما يغيب عن حسابات الحزب أن لبنان عام 2026 ليس لبنان الذي عرفه قبل 20 عاماً.

البلد منهك اقتصادياً، ومؤسساته تعاني، وشبابه يهاجرون، والاستثمارات غائبة، والثقة الدولية شبه معدومة.

وفي مثل هذا الواقع، لم يعد اللبنانيون يبحثون عن شعارات كبرى بقدر ما يبحثون عن دولة قادرة على تأمين الاستقرار وفرص العمل والأمن الاقتصادي.

لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً نتيجة الحروب والصراعات التي خيضت باسمهم أو على أرضهم.

دفعوا من ودائعهم ومدخراتهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.

ولذلك فإن المزاج العام داخل لبنان بات أكثر ميلاً إلى الدولة وأقل استعداداً لتحمل مغامرات جديدة قد تعيد البلاد إلى النقطة الصفر، ومن هنا تأتي أهمية المشروع الذي يمثله جوزيف عون باعتباره مشروع إعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، لا مشروع مواجهة مع أي فئة لبنانية.

إن أخطر ما في خطاب "حزب الله" اليوم ليس رفضه لبعض السياسات الحكومية، فهذا حق طبيعي لأي حزب سياسي.

الأخطر هو الإيحاء المستمر بأن شرعية الدولة تبقى ناقصة ما لم تتوافق مع رؤيته الخاصة، وكأن الشرعية تُقاس بمقدار انسجامها مع خيارات الحزب لا بالدستور الذي ينظم الحياة السياسية في البلاد.

وفي المقابل، يبدو الحزب مستعداً للاعتراف بشرعيات أخرى خارج الحدود والتعامل معها بمرونة كبيرة، حتى عندما تكون هذه الشرعيات وليدة تحولات سياسية كان يعارضها سابقاً.

تناقض واضح

وهنا يظهر التناقض بوضوح: مرونة تجاه الخارج، وتصلب تجاه الداخل؛ وواقعية سياسية في سوريا، ومواجهة سياسية في لبنان؛ واستعداد للتسويات الإقليمية، ورفض للتسويات الوطنية.

إن الدولة اللبنانية لا تستطيع أن تنهض إذا استمر هذا المنطق، فلا يمكن بناء اقتصاد قوي بوجود سلطتين، ولا يمكن استعادة ثقة العالم بوجود قرارين، ولا يمكن إقناع اللبنانيين بالبقاء في وطنهم إذا ظل مستقبلهم مرتبطاً بحسابات تتجاوز حدود بلادهم.

اليوم يقف لبنان أمام خيار تاريخي واضح، فإما الانحياز إلى مشروع الدولة الذي يمثله الدستور والمؤسسات الشرعية ورئاسة الجمهورية والجيش اللبناني، وإما البقاء أسرى منطق الدويلة الذي أثبتت التجارب أنه يقود إلى مزيد من العزلة والانهيار، وبين المشروعين تتحدد معالم المرحلة المقبلة.

ليس المطلوب من "حزب الله" أن يتخلى عن هويته السياسية، المطلوب فقط أن يعترف بأن الدولة اللبنانية يجب أن تكون المرجعية العليا للجميع بلا استثناء، وأن الرئيس المنتخب وفق الدستور يستحق من الاحترام والاعتراف أكثر مما تستحقه أي سلطة خارجية مهما كانت طبيعة العلاقة معها.

فالوفاء الحقيقي للبنان لا يقاس بمقدار الولاء للمحاور، بل بمقدار الالتزام بالدولة.

ومن يتودد إلى الخارج فيما يخاصم الشرعية في الداخل، يبعث برسالة واضحة مفادها أن أولوياته لا تزال خارج حدود الجمهورية اللبنانية.

وهذه هي المعضلة السياسية التي يواجهها "حزب الله" اليوم، وهي أيضاً السبب الرئيسي في اتساع الهوة بينه وبين شريحة كبيرة من اللبنانيين الذين لم يعودوا يريدون سوى دولة واحدة، وسلاح واحد، وقرار واحد، ومستقبل واحد تحت راية لبنان.

(المشهد)