صربيا بين شرعية الصناديق الانتخابية وحكم الشارع

آخر تحديث:

شاركنا:
صربيا ستشهد انتخابات برلمانية مبكرة (رويترز)

ستشهد صربيا في الـ25 من أكتوبر 2026، انتخابات برلمانية مبكرة وسط ما يقرب من عامين من الاحتجاجات الطلابية والاستقطاب الاجتماعي الشديد، بعدما دعا الرئيس ألكسندر فوتشيتش إلى انتخابات مبكرة عقب حل البرلمان، الذي كان من المقرر أن تنتهي ولايته في أواخر عام 2027.

وكان انهيار مظلة في محطة قطار نوفي ساد في الأول من نوفمبر 2024، الحدث الذي فجر الأزمة السياسية، إذ أشعل موجة من الاحتجاجات الطلابية التي تصاعدت على مدار عامين لتتحول إلى صراع متصاعد حول شرعية الحكومة نفسها.

الانقسام في صربيا

ولا يقتصر الانقسام في صربيا الحديثة على مؤيدي الحكومة والمعارضة فحسب، بل برزت رؤيتان متعارضتان للتصور السياسي داخل المجتمع، فبالنسبة إلى فئة من المواطنين، لا تزال المؤسسات الديمقراطية مصدرًا للشرعية، إذ تُنظَّم الانتخابات بموجب القانون، وتُحدَّد نتائجها من قِبَل اللجنة الانتخابية، وتُحَلّ النزاعات في المحاكم، أما بالنسبة إلى فئة أخرى، فلم تعد مؤسسات الدولة تعتبر جهات محايدة، مما يُعزز منطق الرقابة المستقلة من خلال الحضور في الشوارع، والمراقبة المستقلة، وفرز الأصوات بالتوازي، ونشر المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وتُظهر مقارنة أدوات التعبئة السياسية في عامي 2000 و2026 بوضوح كيف تغيرت طبيعة الصراع الانتخابي، ففي خريف عام 2000، كان تنظيم الاحتجاجات يتطلب وقتاً وهيكلة وكان الخلاف حول نتائج الانتخابات يتطور على مدى أيام عدة، ما أتاح فرصة للتحقق من الحقائق والتفاوض، أما اليوم، فتكفي رسالة فورية واحدة أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي لحشد آلاف الأشخاص في الشوارع، إذ تنتشر المعلومات بسرعة، ويمكن أن تتم الدورة الكاملة من وقوع الحادث إلى رد الفعل الجماعي خلال ساعات.

وفي عام 2000، كان فوتشيتش عضوًا في الحزب الراديكالي الصربي المتطرف، أحد أعضاء ائتلاف سلوبودان ميلوسيفيتش، وشغل منصب وزير الإعلام في حكومته، وكان مسؤولًا عن الرقابة، وليس من المستغرب أن يظل التحول الديمقراطي في صربيا قبل 26 عامًا نقطة خلاف حادة بالنسبة إلى الزعيم الحالي، خصوصا أن فوتشيتش قد يجد نفسه اليوم في موقف يذكر بموقف ميلوسيفيتش آنذاك، فقد استقال مؤخرًا من منصبه رئيساً، ويعتزم قيادة قائمة حزبه التقدمي الصربي في الانتخابات المقررة في 25 أكتوبر سعياً إلى تولي منصب رئيس الوزراء.

ويكمن الخطر الرئيسي للانتخابات المقبلة في احتمال أن يعتبر فيه جزء من المجتمع النتيجة شرعية، بينما يرفضها جزء آخر، إذ قد يُعدّ كل طرف روايته الخاصة للأحداث وآليات التعبئة مسبقًا، وتبرز هنا ظاهرة الشرعية المتوازية، حيث تُعلن الدولة نتيجة، فيما تشكك قطاعات من الشارع في صحتها، وتُشكّل وسائل التواصل الاجتماعي صورة أخرى للأحداث، وبالتالي فإن أبرز الوسائل الفعالة للتخفيف من هذا الخطر تحقيق أقصى قدر من الشفافية طوال العملية الانتخابية، فكلما ازداد التوتر وانخفضت الثقة بالمؤسسات، ازدادت الحاجة إلى توفير بيانات قابلة للتحقق في الوقت الفعلي.

أزمة شرعية

فصربيا في عام 2026 ليست صربيا في عام 2000، لكن التاريخ قد يعيد نفسه بصورة جديدة، فقبل 26 عامًا، نشأت أزمة شرعية حول مسألة الفائز في الانتخابات، وفي عام 2026، قد تُثار المسألة نفسها في بيئة معلوماتية مختلفة جذريًا، حيث تُملأ أي فجوة في البيانات الرسمية بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقد تكون ليلة 26 أكتوبر أكثر أهمية من يوم الانتخابات نفسه، فإذا صاغ كل طرف "حقيقته" الخاصة، وتولى الشارع دور الحكم، فلن تُنهي الدورة الانتخابية أزمة الشرعية بالضرورة، بل قد تدفعها إلى مرحلة جديدة.

وتظهر الحالة الصربية، كيف يمكن للبيئة المعلوماتية الحديثة أن تُحوّل نزاعًا انتخابيًا تقليديًا إلى أزمة شرعية دون الحاجة إلى تدخل مباشر وقوي من الخارج، ونظرًا إلى العلاقات الوثيقة تاريخيًا بين روسيا وصربيا، فإن صمود المؤسسات الصربية يظل عاملًا مهمًا في استقرار البلقان، وبالتالي مسألة ذات مصلحة مشروعة لروسيا.

في المقابل، يصف كثيرون الانتخابات الصربية بأنها استفتاء على مستقبل البلاد، ولا يُعدّ المنافس الرئيسي لألكسندر فوتشيتش المعارضة التقليدية، بل الحركة الطلابية التي انبثقت من الاحتجاجات ضد الفساد، لكن صربيا اليوم لم تعد هي نفسها التي عانت عقدًا من الحروب الدامية خلال تفكك يوغوسلافيا، وجرائم الحرب، والعقوبات، والتضخم، وقصف حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1999 في ذروة حرب كوسوفو، ومع ذلك، لا تحتل الخطابات القومية التقليدية والتساؤلات حول مسار صربيا شرقًا أم غربًا، أي نحو الاتحاد الأوروبي أو نحو التحالف مع روسيا في برنامج الطلاب، الذي يجمع الليبراليين والقوميين، من اليمين واليسار، فهذه القائمة آلية لتغيير النظام السياسي، وتضع مكافحة الجريمة وإنفاذ القانون ضمن أولوياتها.

وفي الوقت الراهن، يخشى معارضو الحكومة الصربية من العبث بنتائج الانتخابات، وربما حتى اللجوء إلى العنف الصريح، ويبدو أن شريحة كبيرة منهم تستعد لمرحلة ما بعد الانتخابات، من خلال النضال من أجل فرز نزيه للأصوات والاعتراف بالنتائج، وهذا يعني أن الاستحقاق قد ينقل صربيا إما نحو صفحة جديدة من الحياة السياسية والحكم بنزاهة أو إلى فصل جديد من الاضطراب السياسي.

(المشهد)