دوري الأبطال.. إصرار على معاكسة المنطق

شاركنا:
ريال مدريد الإسباني سيستضيف مانشستر سيتي الإنجليزي (رويترز)

يبدو بأنّ نظام الـ36 فريقاً في مجموعة واحدة ضمن الدور الأول من دوري الأبطال قد راقت للاتحاد الأوروبي لكرة القدم بدليل تثبيته للموسم الثاني على التوالي، دون ملاحظات بيّنة من أيٍّ كان.

جهات عدة اعترضت في البداية لكن ما كُتب قد كتب، دون أن ننسى الجوائز المالية التي استُدرجت فيها الأندية إلى هكذا مسابقة.

عن المشاركة فقط، يحصل كل فريق على 18.6 مليون يورو، بالإضافة إلى 2.1 مليون للفوز، و700 ألف للتعادل.

حظوة إنهاء دور المجموعات في المركز الأول تبلغ 9.9 ملايين، بلوغ دور الـ16 مقابل 11 مليوناً، ربع النهائي 12.5، نصف النهائي 15، النهائي 18.5، على أن يحصل الفائز باللقب على 6.5 ملايين إضافية.

فوق كل ذلك، سيجري اقتسام 853 مليوناً من حقوق البث التلفزيوني بين الأندية المشاركة.

مواجهات مبتورة

مشكلة المشاكل تنافسياً وبعيداً عن الملايين أن الأندية لا تحصل على فرصة مقارعة بعضها البعض ذهاباً وإياباً في المجموعة الواحدة. فالنظام أشبه بمواجهات "مبتورة" لا تعطي صاحب الحقّ حقه.

تحمل البطولة اسم "دوري"، والدوري هو تفسير لمواجهتَي ذهاب وعودة. دور المجموعة الواحدة في "الأبطال" لا يمنح هذه الميزة الواجبة.

أفرزت القرعة التي أجريت الخميس مباريات قمة عدة. بايرن ميونيخ الألماني سيواجه باريس سان جرمان الفرنسي حامل اللقب وأرسنال الإنجليزي المتجدد، وكلاهما خارج الديار، أي دون مباراتي عودة على ملعبه "أليانز أرينا". أين الحكمة في ذلك وفي واقع أن الفريق البافاري نفسه سيستقبل تشلسي اللندني، بطل العالم، فيما لن يتحمل عناء السفر إلى إنجلترا لخوض مباراة إياب في "ستامفورد بريدج"؟ هذا ليس، بأي شكل من الأشكال، توازناً لأن التوازن يفترض لقاء الفريق نفسه مرتين.

ريال مدريد الإسباني سيستضيف مانشستر سيتي الإنجليزي، فيما يحل ضيفاً على مواطنه ليفربول. هنا يبدو الـ "ميرينجي" متقدماً بخطوة على المدرب الإسباني جوسيب جوارديولا في "سانتياجو برنابيه" بفضل عامل الأرض، بينما سيفتقد رجال المدرب الإسباني الآخر تشابي ألونسو إلى هذه الميزة في "أنفيلد".

وشاءت القرعة أن تمنح وصيف الموسم الماضي، إنتر ميلان الإيطالي، امتياز مواجهة ليفربول وأرسنال على أرضه في "جيوسيبي مياتزا"، بينما تنتظر برشلونة الإسباني مباراة قوية على أرضه أمام باريس سان جرمان، وأخرى معقدة أمام تشلسي خارج الديار.

أرسنال سيستقبل في "استاد الإمارات" كلاً من بايرن ميونيخ وأتلتيكو مدريد الإسباني على أن يحل ضيفاً على إنتر.

مواجهات توضح بأن لا عدالة في هذا النظام ولا إمكانية لرد الاعتبار في حال الخسارة خارج الديار.

هي بمثابة دعوة إلى هزيمة أمام فريق ما، ومن ثم دعوة إلى رد الاعتبار، لكن من منافس آخر!

مردود مالي

أراد الاتحاد الأوروبي من خلال هذا النظام رفع عدد مباريات البطولة بغية المزيد على صعيد المردود المالي، له وللأندية. هذا حقه وواجبه في مواجهة "سوبر ليج"، البطولة التي كادت أن تنهي دوري الأبطال بسلاح المليارات، لكنه جاء ليكحّل العين فأعماها، تنافسياً.

جزء كبير من جماهير الأندية تحدث عن عدم اكتمال المشهد. فالخسارة خارج الديار لم تكن لـ "تنهي المسألة" لو كانت هناك مباراة داخلها. شعور بأن ثمة أمراً ناقصاً في المواجهات من شأنه أن يزعزع أركان العدالة المتوخاة، وأن يجعل من الصراع بين "عملاقين" غير مكتملة.

كما أن القرعة منحت عدداً من الفرق خصوماً أقوياء لمواجهتها في ملعبها مقابل أخرى فرضت عليها خصوماً أشداء خارج ملعبها.

جمعُ الأندية الـ 36 وتوزيعها على أربعة مستويات (9 فرق في كل مستوى) بحسب معايير معينة، من ثم إجراء قرعة بحيث يلتقي كل فريق مع فريقين من المستوى الأول، اثنين من الثاني، اثنين من الثالث واثنين من الرابع، كل ذلك يجعل من "المجموعة الواحدة" مجرد تسمية لا أكثر. هي، في الأحرى، مجموعات متداخلة في مجموعة فوضوية ستفرز بطلاً يتفاخر بنفسه ويحصل على جائزة نقدية كبرى رغم أنه لم يواجه جميع من هم في المجموعة ذاتها.

بطل كأس العالم لا يواجه المنتخبات كافة ويبقى بطلاً. هذا صحيح، لكنه لا يتزعم مجموعة لم يواجه كل من فيها كما في دور الـ 36 من دوري الأبطال.

تحليل مسبق

بعد القرعة البتراء، تبدأ الأقلام بتحليل مسبق للمباريات والحظوظ، متناسية النظام السيئ.

كم هو رائع أن يعود الإنجليزي ترنت ألكسندر-أرنولد إلى "أنفيلد" لمواجهة فريقه السابق ليفربول بقميص ريال مدريد في ظل حملات بدأت من اليوم لاستقبال "الخائن" بطريقة تليق بـ"خيانته".

أرنولد نفسه لن يحظى بفرصة استقبال ليفربول في "سانتياجو برنابيه" لرد الصاع صاعين.

أرسنال واجه بايرن ميونيخ 14 مرة في دوري الأبطال، أكثر من أي فريق آخر، بيد أنه لم يحقق الفوز عليه في آخر خمس مواجهات (تعادل واحد و4 هزائم).

"بايرن" بات "عقدة أرسنال"، لكنه في الموسم الراهن سيحل ضيفاً عليه في مباراة واحدة، وبالتالي لن يحظى الفريق الألماني بفرصة للثأر في حال خسر، وسيقال "فُكّت العقدة".

ريال مدريد و"سيتي" سيتقابلان في دوري الأبطال للموسم الخامس توالياً ليصبح هذا اللقاء الأكثر تكراراً في البطولة منذ الموسم 2021-2020 بثماني مواجهات. جميل، لكن أين سيلتقي العملاقان؟ في مدريد فقط.

لم يكن النظام القديم لدوري الأبطال سيئاً. طرأ عليه التعديل الأخير لدواعٍ مالية فقط.

متى ستحظى هذه البطولة بتعديل على نظامها لدواعٍ رياضية تنافسية حصراً؟ في زمن السرعة والبحث الدائم عن المكاسب المالية وإرضاء أطماع الاتحادات الكبرى والأندية العملاقة، يبقى هذا السؤال مجرد ملف لن يفتح إلا عندما يتلازم بمساره مع كسب مادي إضافي.