زمنُ "التعالي على الوطن"

آخر تحديث:

شاركنا:
لم يعد مستغرباً رؤية لاعب بحجم محمد صلاح أو رونالدو يغادر معسكر المنتخب

"كنت مستعداً لقطع المسافات زاحفاً واللعب بقدم واحدة مكسورة لمجرد ارتداء قميص الأرجنتين. اللعب للمنتخب ليس خياراً، إنه نداء دم، ومن يتعالى عليه لا يستحق أن تذكره الجماهير". هذا ما جاء على لسان الأرجنتيني دييغو مارادونا.

كانت تلبية نداء الوطن، في الماضي، واجباً مقدساً وامتيازاً لا يُرفض. لاعبون تحاملوا على الإصابة طمعاً بالتواجد مع منتخباتهم. أما الاعتراض على المدرب أو مغادرة المعسكر، فكان يؤشر إلى نهاية المسيرة دولياً وشعبياً.

كل شيء تغيّر. لم يعد ارتداء القميص الوطني حلماً بالنسبة إلى عدد من النجوم، وبات ترك المنتخب نتيجة ردة فعل متسرعة أمراً معتاداً وبعيداً عمّا قاله البرازيلي الراحل بيليه: "أعظم لحظة في حياتي لم تكن توقيع عقد كبير، بل المرة الأولى التي ارتديت فيها قميص البرازيل وسمعت النشيد الوطني. الأندية تمنحك الشهرة لكن المنتخب يمنحك هوية وطنك".

رواتب فلكية

أصبحت الأندية الأوروبية والشركات الراعية التي تؤمن الرواتب الفلكية للاعبين، مصدر الجَذب الأول والاهتمام الأكبر، ما جعل "مصلحة النادي" تتقدم بوضوح على حساب التضحية لقميص الوطن.

لم يعد مستغرباً رؤية لاعب بحجم المصري محمد صلاح أو البرتغالي كريستيانو رونالدو يغادر معسكر المنتخب، مخلِّفاً وراءه جدلاً واسعاً.

في "التوقف الدولي" الحالي، ترك صلاح معسكر "الفراعنة" عقب مباراة أنغولا التي استُبدل فيها، وهو قرار أثار غضبه. ورغم إعلان الاتحاد المصري أن المغادرة جاءت لإراحته وتجنيبه اللعب على النجيل الصناعي (ترتان) أمام جنوب السودان، فإن التقارير أكدت وجود خلافات مع المدرب حسام حسن.

عدم وضوح الرؤية دفع الجماهير إلى التساؤل عن السبب في عدم بقاء صلاح لمؤازرة زملائه حتى في ظل حاجته للراحة أو لتفادي اللعب على نوعية معينة من العشب.

من جهته، وضع رونالدو نفسه في قلب أزمة. هو يدرك بأن كل ما يقوم به، داخل وخارج الملعب، يشكل مادة دسمة للإعلام، خصوصاً أن وضعه في المنتخب لم يعد مستقراً منذ مونديال 2022.

وبعدما أبقاه المدرب خورخي جيسوس على مقاعد البدلاء أمام النروج، شعر "سي آر 7" بالإهانة. وعلى إثر التصريحات الصارمة لجيسوس نفسه بأن "مكانة رونالدو لا تمنحه امتيازاً لفرض نفسه"، قرر الـ"دون" مغادرة المعسكر على متن طائرته الخاصة.

هذا لا يعني بأنّ صلاح ورونالدو لا يرغبان في تمثيل بلديهما، فما استجدّ، إنما حصل خلال تواجدهما في المعسكر، لكن اللافت أن اللاعب، أي لاعب، ما عاد يكترث بما قد يعتقده الجمهور الذي يصل به الأمر أحياناً إلى اتهام النجم بـ "خيانة عظمى" نتيجة تركه المنتخب.

يذهب البعض إلى تصوير الأمر على أنه "نرجسية". فعندما يصبح للاعب ملايين المتابعين على المنصات، تتفوق قوته التسويقية على اتحاد اللعبة أحياناً. قد يرى نفسه أكبر من المنظومة، ولا يقبل معاملته كلاعب عادي أو إجلاسه على الدكة.

وصل الأمر بعدد من النجوم إلى حد اشتراط طائرة خاصة، غرفة منفردة، حراسة شخصية، ومعاملة تفوق بقية الزملاء، ما يضرب مبدأ المساواة والروح الجماعية ويؤدي أحياناً إلى اصطدام عنيف مع المدرب الساعي ليكون قائد غرفة الملابس.

نموذج استثنائي

"حققت كل شيء مع برشلونة وباريس (سان جيرمان)، وعشت سنوات من النعيم، لكنني كنت سأتنازل عن الألقاب الفردية والجماعية كافة مع الأندية مقابل ليلة أرفع فيها كأس العالم بقميص الأرجنتين. هذا القميص هو الأغلى دائماً". هذا ما قاله الأرجنتيني ليونيل ميسي الذي يستعد لخوض آخر مباراة دولية، في 6 أكتوبر، أمام بنين على ملعب "مونومنتال" في بوينس أيرس.

حالة ميسي مع المنتخب تمثل بُعداً فريداً. فهو يجمع بين أقصى درجات النفوذ والنجومية، لكنه يمتلك، في الوقت ذاته، ولاءً جارفاً لـ "ألبيسيليستي"، ما يجعله نموذجاً استثنائياً .

كان يتمتع بصلاحية كاملة في التحكم بجدول مشاركاته. هذا الامتياز في إدارة اللياقة واختيار المباريات لا يراه عناصر المنتخب "تعالياً"، بل اعترافاً بقيمة اللاعب الذي صرّح سابقاً بأن "زملائي يبذلون جهداً مضاعفاً ويقومون بالواجبات الحركية الكبرى في الملعب كي أحافظ على لياقتي بأقل كمية ركض ممكنة"، خصوصاً بعد تقدمه في العمر.

ميسي ترك المنتخب سابقاً، لكن ذلك لم يكن بداعي التعالي أو تفضيل النادي، بل جاءت مغادرته مدفوعة بضغوط نفسية قادته إلى الاعتزال دولياً عام 2016 بعد خسارة 4 نهائيات (كأس العالم 2014، وكوبا أميركا 2007، 2015 و2016)، بالتزامن مع انتقادات الصحافة والجمهور الذي اتهمه بـ"عدم بذل الجهد كما يفعل مع برشلونة".

تحوّل النجوم، وأولهم ميسي، إلى "مؤسسات استثمارية مستقلة" تمتلك نفوذاً مالياً وإعلامياً تفوق أحياناً سلطة اتحاد اللعبة. نفوذ ولّد نوعاً من "التعالي والكبرياء" دفع بعضهم إلى وضع شروط لتمثيل المنتخب. هؤلاء لا يترددون في مغادرة المعسكرات وافتعال الأزمات عند أول صدام فني أو شعور بالانتقاص من المكانة.

لا ينتمي ميسي إلى هذه الفئة رغم أنه يمتلك سلطة وازنة في المنتخب على نحو ما أقرّ به المدرب ليونيل سكالوني: "لست المسؤول الوحيد عن إدارة أمور الفريق ولا أتخذ أي قرار دون المرور أولاً عبر ميسي".

إعلان العصيان

لاعبون عدة دخلوا في مشادات مع القيّمين على منتخبات بلادهم وأعلنوا العصيان ورفضوا العودة إلا بعد رحيل الجهاز الفني. خير مثال المغربي حكيم زياش قبل كأس إفريقيا 2021. فقد اختلف مع المدرب البوسني وحيد خليلوزيتش الذي قال يومها: "للمرة الأولى في مسيرتي، أرى لاعباً في المنتخب يرفض التدرب ويدّعي الإصابة كي لا يخوض المباريات الودية. يتأخر عن المعسكرات ويتصرف كأنه فوق الجميع. المنتخب المغربي مقدس ولن أسمح لأي لاعب بوضعه كخيار ثانٍ بعد ناديه".

وبسبب كبريائه، أعلن زياش الاعتزال دولياً، مصرّحاً بأنه "لن ألعب للمنتخب تحت قيادة هذا الرجل".

أما المثال الأبرز على تفضيل الـ "أنا" فيعود إلى مونديال 2010 عندما وجّه الفرنسي نيكولا أنيلكا شتائم لمدربه ريمون دومينيك بين شوطي المباراة أمام المكسيك. قرر الاتحاد المحلي استبعاده، بيد أنه حظي بتضامن رفاقه الذين رفضوا النزول من الحافلة لخوض التدريبات في واقعة شهيرة عُرفت بـ "تمرد كنيسنا".

ورغم أن الإسكتلندي أليكس فيرغوسون صنع أمجاده مع مانشستر يونايتد الإنكليزي ولم يدرب من المنتخبات سوى بلاده بين 1985 و1986، فهو يقول: "يمكن للاعب أن يحقق كل الألقاب الممكنة مع ناديه ويمتلك كل أموال العالم، لكنه لن يشعر أبداً بالخلود الكروي الحقيقي إلا عندما يرتدي قميص بلاده في بطولة كبرى ويسعد شعبه. النادي يمنحك مهنة، والمنتخب يمنحك المجد والتاريخ".

الإسباني جوسيب غوارديولا لم يعمل مع منتخب، وقال يوماً: "تمثيل المنتخب ليس مجرد مباراة، بل واجب وطني ومسؤولية تجاه ملايين البشر الذين يجدون في هؤلاء اللاعبين المصدر الوحيد لفرحهم. عندما يُستدعى لاعب إلى المنتخب، عليه أن يذهب راكضاً".

لكن ثمة من لا يكترث بكل تلك القيم. المكسيكي كارلوس فيلا سُئل عن سبب رفضه المتكرر الانضمام للمنتخب، فقال علناً: "لتكون في المنتخب، يجب أن تشعر بالشغف والالتزام بنسبة 100 في المئة. لا أملك الشغف. مسيرتي مع النادي واستقراري المالي والعائلي هو أولويتي، ولا أريد الضغط النفسي المتأتي من مباريات المنتخب".

من جانبه، فضّل لاعب أرسنال اللندني، بن وايت، "الاستجمام" على خوض غمار "يورو 2024". وقال المدرب السابق لمنتخب إنكلترا غاريث ساوثغيت: "تلقينا اتصالاً من أرسنال يبلغنا بأن وايت لا يريد أن يتم استدعاؤه حالياً. أمر مؤسف، لكن علينا احترام رغبته في التركيز على ناديه ونفسه."

ومن اللاعبين السابقين الذين أحجموا عن تمثيل المنتخب، الهولندي يوهان كرويف في مونديال 1978 لدواعٍ سياسية، والألماني بيرند شوستر لخلافات مع الاتحاد والمدرب يوب ديرفال.

حق الاستدعاء

نجوم كثر عبّروا عن عشقهم للمنتخب واستعدادهم لتمثيله بغض النظر عن الدور الذي سيوكله المدرب لهم. لكن كل ذلك قيل في ظروف معينة قد تتبدّل وتضع اللاعب في مواجهة. يقول الفرنسي كيليان مبابي: "أنا تحت أمر مدرب المنتخب دائماً، وسأظل متاحاً لخدمة بلدي. إذا طلب مني اللعب سألعب، وإذا قرر وضعي على الدكة سأجلس بكل فخر وأدعم زملائي. أنا هنا لخدمة فرنسا، وليس لفرض شروط شخصية".

الاتحاد الدولي يتدخل بشكل صارم لحماية المنتخبات من رفض اللاعبين تلبية الاستدعاء أو مغادرتهم المعسكر دون إذن رسمي.

ورغم صرامة ما يُعرف بـ "قانون حق الاستدعاء"، إلا أنه نادراً ما نرى "فيفا" يصدر عقوبات إيقاف علنية بحق النجوم نتيجة استخدام الأندية واللاعبين ثغرات قانونية مثل ادعاء الإصابة والاتفاقيات الودية خلف الكواليس لتجنب الصدام.

كرة القدم انتزعت بحداثتها جزءاً من الروح الرومانسية والعفوية. اللاعب الذي كان يرى في قميص بلاده "امتيازاً شخصياً وعائلياً ووطنياً"، بات يراه اليوم أشبه بـ "العبء".

التعالي والتكبر على المعسكرات والمنتخبات ليس سلوكاً فردياً عابراً في معظم الأحيان، بل انعكاس لواقع اقتصادي دخيل أقنع اللاعب والمحيطين به، بأن قيمته تُقاس بحجم راتبه في النادي وعدد متابعيه، وليس بعدد المرات التي يتواجد فيها على العشب الأخضر خلال عزف النشيد الوطني.