يختلف السياق الحالي للانتخابات التشريعية المغربية، المقرر إجراؤها في 23 سبتمبر 2026 لانتخاب 395 عضواً في مجلس النواب، يختلف في عدد من الجوانب عن سياق انتخابات 2021، حيث تجري هذه الاستحقاقات في لحظة تحول في موقع المغرب، الذي يدخل هذه التجربة بعد سنوات من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية، وبالتالي فإن البرلمان والحكومة المقبلين سيواجهان ملفات إستراتيجية أكبر تتعلق بقضايا التنمية، والدولة الاجتماعية، والتشغيل، والماء، والطاقة، والتعليم، والتحولات الجيوسياسية، إضافة إلى القضية الوطنية قضية الصحراء التي ستعرف بلا شك تحولات مهمة في السنوات القليلة المقبلة، بعد النجاحات التي حققتها الدبلوماسية المغربية مؤخرا.
الانشغالات الاجتماعية.. أولوية
ويمكن على ضوء هذا السياق الهام أن نسجل أبرز مميزات الاستحقاقات الحالية مقارنة بسنة 2021 فيما يلي:
- أنها انتخابات تأتي في نهاية الولاية الحكومية لعزيز أخنوش، التي سميت حكومة رجال الأعمال، واتسمت بنزوع ليبرالي قوي نحو تقوية القطاع الخاص وتشجيع الاستثمارات، رغم أنها ـ ويا للمفارقة ـ رفعت شعار "الدولة الاجتماعية"، كما تميزت هذه الولاية الحكومية بما أحاط بها من وقائع وأحداث وطنية ودولية فاقمت من أزماتها، مثل التوترات والحروب التي أدت إلى ارتفاع مهول في أسعار المحروقات، ومثل وباء كورونا وزلزال الحوز اللذين تطلبا ميزانيات احتياطية لم تكن في الحسبان، ولذلك من المرتقب أن تتحول الانتخابات، جزئياً، إلى نوع من التقييم الشعبي للحصيلة الحكومية، خصوصاً في قضايا الأسعار، التشغيل، الصحة والتعليم، إلى جانب ملف تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية باعتبار الحزب الأغلبي "التجمع الوطني للأحرار" قد تصدر المشهد السياسي في هذا الموضوع قبل 5 سنوات.
- ولعل من أهم خصائص الانتخابات الحالية أنها تعرف تراجعا كبيرا للخلافات الإيديولوجية لصالح الانشغالات الاجتماعية بالأساس، حيث يبدو أن الناخب المغربي اليوم أقل انشغالاً بالصراع التقليدي بين اليمين واليسار والإسلاميين، وأكثر اهتماماً بالقدرة على تحسين شروط الحياة والخدمات وفرص الشغل. ولعل هذا المعطى يضع الأحزاب أمام اختبار الإنجاز والكفاءة والوفاء بالبرامج والوعود، أكثر من التوجهات والاختيارات الإيديولوجية التقليدية.
وتتحدث الأوساط الإعلامية والسياسية المغربية بكثرة عن أزمة الثقة بين المواطن والتنظيمات الحزبية والمؤسسات، حيث يعد استرجاع الثقة أحد أكبر التحديات من أجل ردم الهوة بين المجتمع والتشكيلات السياسية، وذلك بهدف التقليص من نسبة العزوف الانتخابي وحِدّة الانتقادات الموجهة للمنتخبين وللعمل الحزبي. فإذا كان الرهان الأصغر بالنسبة للأحزاب هو الفوز بالمقاعد، فإن الرهان الأكبر بالنسبة للدولة هو إقناع المواطن بالانخراط في العملية الانتخابية، وبأن التصويت له معنى وتأثير على حياته.
البحث عن الكفاءات
ومن الأسئلة المطروحة من قِبل الملاحظين تلك التي تتعلق بموقع حزب العدالة والتنمية الإسلامي في الانتخابات الحالية، وما إذا كان بمقدوره أن يستعيد بعض عافيته بعد الهزمية الكبرى التي مني بها في انتخابات 2021، والتي اكتست طابع الانهيار الكبير (من 125 مقعد إلى 13). ويخوض الحزب انتخابات 2026 بهدف استعادة جزء من موقعه السابق عبر التركيز على الملف الاجتماعي والوعود التي لم تتحقق في برنامج حكومة أخنوش، وإن كان معظم المتابعين يرون بأن قدرة الحزب على العودة إلى الصدارة مستبعدة بسبب أخطاء الأمين العام للحزب عبد الإله بنكيران، وكذلك بسبب توجه السلطة العليا نحو ضمان التوازن في تشكيلة حكومية تعمل على إنجاح رهان التظاهرة الرياضية الكبرى سنة 2030، المتمثلة في تنظيم المغرب لكأس العالم في كرة القدم بجانب إسبانيا والبرتغال.
ومن أهم القضايا التي تستقطب اهتمام النقاش العمومي مشكل الوجوه السياسية التي لم تعد مرغوبا فيها، ما يطرح رهان البحث عن الكفاءات وتجديد النخب، وهو ما يمثل أحد مظاهر ضعف الأحزاب المغربية، التي ما زالت تفضل المراهنة على مرشحين أغنياء يستطيعون الحصول على مقاعد ولو بأساليب غير مشرفة للتجربة الديمقراطية المغربية.
وكما هو معتاد مع كل استحقاقات تشريعية، يطفو على السطح نقاش حول موقع النساء والشباب، الفئتان اللتان تعانيان من بعض التهميش، ما يجعل مشاركتهما اختباراً حقيقياً، خصوصا مع وجود ضغط متزايد من المجتمع المدني لرفع تمثيلية النساء والشباب، مما يكشف أن مسألة تجديد النخب لم تعد تقتصر على تغيير الأشخاص، بل تشمل أيضاً إعادة تركيب التمثيلية السياسية والاجتماعية للبرلمان.
قد تكون انتخابات شتنبر 2026 أقل ارتباطاً بـالصراع الأيديولوجي القديم وأكثر ارتباطاً بإشكاليات الثقة والكفاءة والحصيلة والقدرة على إدارة التحولات، إلا أن السؤال الحقيقي الذي يشغل الناس اليوم ليس فقط هو: "من سيفوز؟"، وإنما هو: "هل ستنجح الدولة والأحزاب في تحويل الانتخابات من لعبة أرقام ومنافسة على المقاعد، إلى بلورة مشاريع سياسية واضحة وإثارة نقاش شفاف يستعيد ثقة المواطنين في التجربة الديمقراطية وفي المؤسسات ؟".
