هل تُنهي "قمة ألاسكا" الحرب في أوكرانيا؟

شاركنا:
ألاسكا تحمل بُعداً تاريخياً خاصاً في العلاقات الأميركية–الروسية (رويترز)

تتجه أنظار العالم في الساعات المقبلة نحو القاعدة العسكرية المشتركة "إلمندروف–ريتشاردسون" في مدينة أنكوريج بولاية ألاسكا الأميركية، حيث ينعقد اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. ويأتي هذا الاجتماع المهم، الذي بات يُعرف بـ"قمة ألاسكا"، كأول لقاء يجمع الرئيسين في الولاية الثانية للرئيس لترامب، وسط ترقّب عالمي لما قد يحمله من تحوّلات على المشهد الدولي، وبالأخص في الملف الأوكراني.

"ألاسكا".. من التاريخ إلى طاولة التفاوض

خلال الأيام الماضية، انشغلت وسائل الإعلام والمحللون بتسليط الضوء على أهمية هذه القمة ورمزية اختيار مكان اللقاء أي ألاسكا. وهي للعلم ولاية سبق أن استقبلت لقاءات رفيعة المستوى من هذا القبيل، مثل استقبال الرئيس رونالد ريغان للبابا يوحنا بولس الثاني عام 1984، واستقبال الرئيس ريتشارد نيكسون للإمبراطور الياباني هيروهيتو عام 1971.

لكن في الحقيقة تلك اللقاءات شيء ولقاء دونالد ترامب مع فلاديمير بوتين شيء آخر. فألاسكا تحمل بُعداً تاريخياً خاصاً في العلاقات الأميركية–الروسية؛ إذ كانت في القرن 19 جزءاً من الأراضي الروسية قبل أن يبيعها القيصر ألكسندر الثاني للولايات المتحدة عام 1867. واليوم، تعود هذه الأرض النائية لتكون نقطة التقاء بين القوتين العظميين، لا على قاعدة البيع والشراء، بل على طاولة تفاوض قد تعيد صياغة موازين القوة في عالم مضطرب.

وإلى جانب بعدها التاريخي، تضيف القمة أبعاداً سياسية كبرى؛ فهي تجمع بين قوتين لهما تأثير مباشر على معظم الملفات الدولية والإقليمية، وتنعقد في ظل عزلة دولية يعيشها الرئيس بوتين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا. كما أن زيارة بوتين إلى الولايات المتحدة تحمل دلالات معنوية، إذ تمثل أول حضور له في الأراضي الأميركية منذ عام 2015، وأول زيارة على الإطلاق لزعيم روسي إلى ولاية ألاسكا، ما يمنح القمة طابعاً استثنائياً في الشكل والمضمون.

الملف الأوكراني على طاولة ترامب–بوتين

طبعاً خلال هذا اللقاء المرتقب، سيتطرق الزعيمان إلى العديد من الملفات والقضايا، لكن بالتأكيد يظل الملف الأوكراني هو العنوان الأبرز لقمة ألاسكا. فطموحات الرئيس ترامب لإيقاف الحرب في أوكرانيا معروفة. ولا يزال العالم يتذكر إعلانه الشهير خلال حملته الانتخابية أنه قادر على إنهاء الحرب في أوكرانيا خلال 24 ساعة فقط.

فمنذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية مطلع العام الجاري، غيّر ترامب مقاربة بلاده تجاه هذه الحرب، ومارس ضغوطاً متعددة على الأوكرانيين لتحقيق هدفه. كما أرسل مبعوثه الخاص ستيف ويتكيف إلى موسكو مرات عدة، وتواصل مع بوتين 4 مرات، إحداها في مكالمة هاتفية استمرت ساعتين ونصف، ما يعكس جديته في السعي إلى تفاهمات لإنهاء الحرب.

ونظراً لأهمية هذه القمة، تحركت جميع أطراف الصراع في أوكرانيا فور الإعلان عنها، في محاولة للتأثير على مسار المفاوضات. فبوتين كثف مشاوراته مع قادة دول ترتبط بموسكو بعلاقات متينة، مثل الرئيس الصيني شي جينبينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وقادة البرازيل، وجنوب إفريقيا، وكازاخستان، وأوزبكستان، وبيلاروسيا، وقيرغيزستان، فيما صعّدت قواته العسكرية ميدانياً لكسب أوراق تفاوضية إضافية.

في المقابل، كانت أوروبا، الغاضبة من استبعادها عن القمة، في حالة استنفار قصوى بقيادة "الترويكا" الفرنسية–الألمانية–البريطانية، للضغط على إدارة ترامب بهدف أخذ المصالح الأوكرانية والهواجس الأوروبية بعين الاعتبار. وخلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة فقط، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش هارتس، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر 3 اجتماعات متتالية لممارسة أكبر ضغط ممكن قبل هذه القمة:

  • الأول مع الشركاء الأوروبيين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
  • الثاني مع هؤلاء الشركاء بالإضافة إلى الرئيس ترامب.
  • الثالث فكان ضمن “تحالف الراغبين” لدعم أوكرانيا.

4 تحديات كبرى أمام إنهاء الحرب

الآن، ومع اقتراب موعد "قمة ألاسكا" التاريخية، ورغم موجة التفاؤل التي سادت في اللحظات الأخيرة، فإن مهمة ترامب في إنهاء أطول نزاع أوروبي منذ الحرب العالمية الثانية تبدو صعبة ومعقدة للغاية، لأربعة أسباب رئيسية:

  • الواقع الميداني المعقد: فروسيا لم تحقق نصراً حاسماً، وأوكرانيا لم تُمنَ بهزيمة ساحقة، بل ما زالت المواجهة مفتوحة، مع استمرار تبادل الضربات القاسية رغم مرور أكثر من 3 سنوات على الحرب.
  • الفجوة الواسعة بين مطالب الطرفين: إذ تتمسك روسيا باتفاق سلام شامل يستند إلى الواقع الميداني، بينما ترفض أوكرانيا أي تنازل عن أراضيها المحتلة وتطالب بوقف فوري لإطلاق النار.
  • الضمانات الأمنية الأوروبية: المطلوب اليوم ليس اتفاقاً بين كييف وموسكو فحسب، بل تفاهمات أوسع توفر ضمانات أمنية للقارة الأوروبية، التي أصبحت الداعم الأكبر لأوكرانيا وتصر على الحماية من أي هجمات روسية مستقبلية.
  • إقناع روسيا النووية بتقديم تنازلات: وهو تحدٍ بالغ الصعوبة، في ظل تمسك موسكو بموقعها كقوة عظمى وعدم استعدادها للتراجع بسهولة، خصوصا أنها ترى ترسانتها النووية ركيزة أساسية في مكانتها العالمية وأداة ردع غير قابلة للمساومة.

اليوم، يحبس العالم أنفاسه انتظاراً لهذه القمة التي أثارت في الأيام الماضية قدراً كبيراً من الجدل والتوقعات والمخاوف. فكل طرف يعلّق عليها آماله بما يتماشى مع مصالحه، لكن المؤكد أن نتائجها لن ترسم مستقبل أوكرانيا وحده، بل قد تعيد تشكيل ملامح النظام العالمي لعقود مقبلة.

وهكذا، يبقى الترقب سيد الموقف؛ فالعالم يراقب بتركيز ما ستسفر عنه ساعات التفاوض في أنكوريج. والسؤال الأبرز ما زال قائماً: هل تُنهي"قمة ألاسكا" الحرب في أوكرانيا؟ أم أننا على أعتاب "يالطا" جديدة بثنائية ترامب–بوتين؟