بعد أحداث السويداء.. أي مستقبل للدروز في المنطقة؟

آخر تحديث:

شاركنا:
الدروز رأس الحربة في الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش (أ ف ب)

مرةً جديدة، تتعرض المناطق الدرزية في سوريا لأحداث دموية ذات طابع طائفي، تعيد إلى الواجهة جراحًا لم تندمل، وتدفع أبناء طائفة الموحدين إلى النبش في دفاتر التاريخ بحثًا عن معادلات مفقودة تحفظ ما تبقّى من حضورهم، وتعيد ترتيب أولوياتهم في مرحلة مفصلية من تاريخهم وتاريخ المنطقة برمّتها.

فبعد هجومي جرمانا في شهري مارس وأبريل الماضيين، شهدت محافظة السويداء ومحيطها خلال الساعات الأخيرة هجمات جديدة نفذتها مجموعات من أبناء عشائر البدو، وسط أنباء عن مشاركة عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية السورية فيها.

هذه الاعتداءات المتكررة منذ مطلع العام لم تعد أحداثًا أمنية معزولة، بل باتت تعكس مسارًا ممنهجًا من الضغوط والتهديدات التي تستهدف الكيان الدرزي في سوريا، سواء عبر الترهيب الأمني أو من خلال تقويض البنية الاجتماعية والسياسية المحلية.

وفي المحصّلة، تفتح أحداث السويداء باب الهواجس الوجودية الدرزية على مصراعيه، ليس فقط في سوريا، بل في المشرق عمومًا، حيث يشعر أبناء هذه الطائفة بالغبن العميق بعد أن ساهموا في كتابة تاريخ المشرق، ليجدوا أنفسهم اليوم أمام سؤال مصيري: أي مستقبل للدروز في المنطقة؟

دروز المشرق: حضور تاريخي وتآكل معاصر

لمن لا يعرف، من المفيد التذكير بأن الدروز، ومنذ ما يقارب الألف عام، كانوا جزءًا أصيلًا من نسيج هذا المشرق، وفاعلين أساسيين في معادلاته السياسية والاجتماعية. لقد تركوا أثرًا بارزًا منذ العهد الفاطمي، مرورًا بالمملوكي والعثماني، وصولًا إلى العصر الحديث، حيث لعبوا أدوارًا مركزية في تاريخ سوريا ولبنان وحتى في إسرائيل.

بتركيبتهم العقائدية المنغلقة وتنظيمهم الاجتماعي الصارم، شكّل الموحدون الدروز حالة استثنائية في المشرق. فمن جبل العرب ومرتفعات الجولان في سوريا، إلى جبل لبنان، وصولًا إلى الكرمل والجليل في إسرائيل، رفع الدروز راية الأرض والعِرض، متمسكين بهويتهم التاريخية، محافظين على توازن دقيق بين الخصوصية والانخراط الوطني، وبين الحياد الاستراتيجي والمشاركة الظرفية في النزاعات الكبرى.

لكن هذا الدور بدأ يتراجع منذ نحو قرن، وتحديدًا بعد اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي رسمت حدود دول المنطقة على حساب الهويات التاريخية والروابط الطبيعية بين المجتمعات. ومع إعلان دولة إسرائيل عام 1948، وجد الدروز أنفسهم موزعين جغرافيًا بين 3 دول: لبنان، سوريا، وإسرائيل، دون أن يشعروا فعليًا بأنهم مواطنون من الدرجة الأولى في أي منها.

من لبنان إلى إسرائيل: تراجع الموقع وتآكل التأثير

في لبنان، يعتبر الدروز أنفسهم من المؤسسين الأساسيين للكيان. وقد طبع الأمراء الدروز، خصوصًا في عهدي الإمارة المعنية والشهابية، المسار الثقافي والسياسي للبلاد، وأسّسوا لحالة من التعددية الدينية والاجتماعية سبقت إعلان "لبنان الكبير" عام 1920. لكن هذا الإعلان، رغم كونه محطة تاريخية فارقة، جاء ليحجّم طائفة الموحدين ويحصرها ضمن إطار الأقلية عددًا وتأثيرًا.

ومع اتفاق الطائف عام 1990، الذي شاركت الطائفة الدرزية في صياغته بعد حرب أهلية دامية، وأرسى مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين، تعزّز النظام الطائفي القائم على توازن دقيق بين الطوائف الكبرى، لكن الدور الدرزي بدأ يتآكل تدريجيًا. فبات تأثير الطائفة يُقاس بوزن الزعامة السياسية، لا بحقوقها كمكوّن وطني متساوٍ. واليوم، ومع تصاعد الحديث عن “المثالثة” والتغيرات الديموغرافية، يتخوّف الدروز في لبنان بجدّية من تحوّلهم إلى أتباع في وطن أسّسوه، ومواطنين من الدرجة الثالثة بعد أن كانوا شركاء في القرار.

أما في إسرائيل، فمع إعلان الدولة على أراضي فلسطين، اختار الدروز البقاء في أرضهم والتأقلم مع الواقع الجديد. وقد منحتهم الدولة الإسرائيلية وضعًا قانونيًا خاصًا عن بقية العرب، وفرضت عليهم الخدمة العسكرية الإلزامية، في محاولة لدمجهم ضمن النسيج الإسرائيلي. وبالفعل، حصل الدروز في إسرائيل على هامش من الأمن والاستقرار، واندمجوا إلى حدّ ما في الدولة الجديدة، دون أن ينصهروا فيها بالكامل، محافظين على هويتهم الخاصة.

ومع ذلك، لم يشعر الدروز يومًا بأنهم مواطنون من الدرجة الأولى، بل ساد شعور عام بعدم وجود مساواة فعلية. وقد تعمّق هذا الإحساس بالتهميش بعد إقرار "قانون الدولة القومية" عام 2018، الذي نصّ صراحة على أن إسرائيل هي "دولة قومية للشعب اليهودي"، ما ألغى فعليًا الاعتراف بحقوق المواطنة المتساوية لغير اليهود، وكرّس الدروز كمواطنين من الدرجة الثانية.

دروز السويداء والاختبار الأصعب: التهديد الوجودي

في سوريا، حيث شكّل الدروز رأس الحربة في الثورة السورية الكبرى عام 1925 بقيادة سلطان باشا الأطرش، وخاضوا معارك ضارية ضد الانتداب الفرنسي حتى نيل الاستقلال، لم تُنصفهم الدولة السورية الحديثة. إذ وجدوا أنفسهم أقلية منسية على هامش الدولة وخارج تركيبة السلطة الجديدة.

ومع صعود حزب البعث إلى الحكم، وخصوصًا منذ استلام عائلة الأسد للسلطة، انحسر الدور الدرزي بشكل كبير، وتحوّلت السويداء إلى منطقة مهمّشة سياسيًا وتنمويًا، تُستذكر فقط في لحظات الحاجة الأمنية أو لممارسة الضغط. وعلى الرغم من الموقف المتمايز للموحدين مع انطلاق الثورة ضد النظام في عام 2011، ورفضهم الانخراط في النزاع المسلح، ودعوتهم إلى التغيير عبر حلول مدنية وسلمية، فإنهم تعرضوا لمزيد من العزلة والمخاطر الأمنية المستمرة من مختلف الأطراف.

وفي الأشهر الماضية، ومع تصاعد الحديث الإسرائيلي عن احتمال تقسيم سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتموضع حكومة أحمد الشرع المفترضة في دمشق، تمسّك الدروز بانتمائهم إلى الدولة السورية الجديدة على أسس واضحة عمادها المساواة والمواطنة الكاملة. لكنهم، للأسف، سرعان ما تعرّضوا لهجمات متكررة من تنظيمات متطرفة أحيانًا، ومن بعض مراكز القوى في الدولة نفسها أحيانًا أخرى، مما زاد من هشاشة وضعهم وعمّق الإحساس بالخذلان والخوف من الإقصاء، وتحويلهم إلى مواطنين هامشيين من الدرجة الثالثة أو حتى الرابعة.

استنفار وجودي وتحوّلات داخلية

وفي ظل هذا المشهد المعقد، طرأت تحوّلات لافتة داخل البيئة الدرزية، تجلّت بابتعاد تدريجي عن القيادات السياسية التقليدية، والالتفاف خلف المرجعيات الدينية التي بدأت تدق ناقوس الخطر، وتشدد على مسألة الوجود الدرزي العام من منطلق البقاء، لا المهاترات السياسية.

نعم، يشعر الدروز اليوم، الذين عرفوا كيف يتكيّفون مع التحولات الكبرى لقرون، بالخطر، وبأنهم أمام تحدٍّ وجودي حقيقي. لذا، بلغ الاستنفار الدرزي ذروته، وتفعّلت خطوط الاتصال بين أبناء الطائفة في لبنان وسوريا وإسرائيل أكثر من أي وقت مضى. فبالنسبة لهم، الوضع الراهن هو: نكون أو لا نكون.. وطبعًا، أين نكون؟

في الختام، لم تعد المسألة سؤالًا طائفيًا أو جغرافيًا، بل قضية وجودية شاملة. الدروز ليسوا هم من يقررون خياراتهم اليوم، خصوصًا في سوريا، حيث التهديد مباشر ومتعدد المصادر. وبالتالي، فإن مسؤولية الدولة السورية، إذا ما أرادت الحفاظ على وحدة البلاد، تبدأ بإعادة الاعتبار لهذه الطائفة، وضمان أمنها، وتعزيز مواطنتها، وحمايتها من العبث الأمني والسياسي الذي يستهدفها في العمق.

وإلا، فإن الدولة تكون قد دفعت بطائفة الموحدين نحو خيارات أخرى هم حتى اللحظة يحاولون جاهدين تجنّبها.