الولايات المتحدة تقترب نحو جنوب القوقاز عبر البوابة الأرمينية

آخر تحديث:

شاركنا:
يعدّ مشروع "جسر ترامب" بالمعنى الأعمق توسعا أميركيا فعليا في جنوب القوقاز (أ ف ب)

مع وصول وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو إلى العاصمة الأرمينية يريفان في 26 مايو، وقبل أيام قليلة من موعد الانتخابات في الجمهورية التي ستُجرى في 7 يونيو المقبل، والتي لم تتجاوز ساعة واحدة، وضعت روبيو في موقع ساعي بريد أوصل رسالة وغادر على عجل، إذ من المعروف أنّ من بين الأهداف الرئيسية لزيارته، التنفيذ العملي لمشروع "جسر ترامب"، وهو نفسه ممر زانجزور الذي يربط جيب ناخيتشيفان الأذربيجاني مباشرة بأذربيجان عبر الأراضي الأرمينية.

مشروع "جسر ترامب"

وقد لعب الرئيس الأميركي دور الوسيط لضمان الأمن والاستثمار للمشاركين في البرنامج، وكانت الفكرة العامة هي توقيع الوثائق قبل الانتخابات، تحسبًا لأيّ تطورات غير متوقعة بعد التصويت.

ومع ذلك، يعدّ مشروع "جسر ترامب" بالمعنى الأعمق، توسعًا أميركيًا فعليًا في جنوب القوقاز، على الرغم من أنه في الوقت الراهن، يبقى مجرد كلام، إذ يحتاج إلى ترجمة فعلية وإلى تطبيق عملي، كما أنّ هناك شكوكًا بأنّ العلاقات بين يريفان وموسكو على وشك أن تمر باختبارات صعبة.

وعلى الرغم من غموض الزيارة، فإنّ مصالح الولايات المتحدة في أرمينيا ملموسة للغاية، أحد هذه المجالات هو الطاقة النووية، ففي زيارة نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس الأخيرة في فبراير الماضي، إلى يريفان، إذ وقّع الجانبان اتفاقية تعاون في مجال الطاقة النووية السلمية، في الوقت نفسه، تُشغّل محطة ميتسامور للطاقة النووية، وهي المحطة النووية الوحيدة في البلاد، حاليًا بالاشتراك مع شركة روساتوم الروسية.

علاقات موسكو ويريفان

غير أنّ العلاقات بين موسكو ويريفان تقترب من نقطة الغليان، فقد تعرّض رئيس الوزراء نيكول باشينيان طوال الأسبوع الماضي لعرقلة كلامية ومطالبات بالعودة إلى مسار بنّاء، كما عبّرت روسيا عن قلقها في كثير من المناسبات، وقال وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف، إنّ "هناك محاولات لجر أرمينيا إلى المعسكر المعادي لروسيا، بهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بموسكو"، وما سيكشف هذا الأمر تحديدًا خلال قمة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي التي ستُعقد بين يومي 27 و28 مايو الجاري في كازاخستان، وبحسب تقارير متداولة لن يحضر رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، الاجتماعات، خصوصًا وأنّ موضوع أرمينيا ستثيره روسيا خلال القمة.

بالتالي يبدو أنّ ليريفان آمالًا كبيرة في أن تنضم إلى الاتحاد الأوروبي، وتتخلى عن الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي ساعدها اقتصاديًا وأخرجها من أزمتها، لكن في ما يبدو أنّ أرمينيا تحاول الجمع بين الأمرين على الأقل حتى تأخذ وعودًا مضمونة، أو على أقل تقدير تسعى يريفان إلى الخروج من الاتحاد الأوراسي تدريجيًا للحفاظ على مكتسباتها، وبين الاتحادين، المعني ليس أرمينيا بل روسيا، فمجرد أن كان عنوان زيارة روبيو توقيع اتفاقيات اقتصادية وشراكات في مجالات الطاقة وغيرها، إلا أنّ الهدف الحقيقي إيجاد موطئ قدم لواشنطن جنوب القوقاز.

فمن جهة تستطيع الولايات المتحدة من خلال أرمينيا السيطرة على الوضع المحيط بإيران، ومنع روسيا من السيطرة على المشاريع الحيوية في تلك المنطقة، والأهم أنّ أرمينيا تتمتع بإمكانية الوصول إلى آسيا الوسطى والشرق الأوسط ومنطقة البحر الأسود، فضلًا عن أوروبا، ومن يسيطر يملك منافذ إلى كل تلك المناطق الحيوية.

واللافت في هذه العلاقة المستجدة، إن جاز التعبير، أنها أحادية الجانب وتأتي من قبل الولايات المتحدة، ربما خشية من واشنطن من أن يحدث أمر ما في الانتخابات الأرمينية المقبلة، خصوصًا لأنصار موسكو، ما قد يُضعف النفوذ الأميركي في أرمينيا، ولمنع حدوث ذلك، أصبح مؤكدًا أنّ باشينيان سيحظى بدعم أميركي في الانتخابات المقبلة، وذلك لضمان نفوذها بعد الانتخابات.

وفي ظل هذه الظروف، إنّ على أرمينيا أن تدرس خياراتها بشكل مستفيض، خصوصًا قبل اتخاذ أيّ قرار، لأنّ أيّ اصطفاف إلى جانب المعسكر الأميركي والأوروبي، قد يؤدي إلى تراجع اقتصادي غير مدروس، ما قد يشكل سابقة خطيرة غير محسوبة على البلاد قد تطيح بالحكومة الأرمينية.