لا خلاف على أنّ ثمة تراجعًا كبيرًا في شعبية "فورمولا 1" خلال الأعوام الأخيرة. أسباب عدة تُساق على هذا الصعيد، أبرزها تلك السيطرة المطلقة على السباقات من قبل السائق الهولنديّ ماكس فيرستابن، ابن الـ26 عامًا.
يبدو الأمر مبرَّرًا ومفهومًا للغاية. فقد دأب نجم فريق "ريد بول" على تسجيل سلسلة من الأرقام القياسية الخارقة، تحديدًا في بطولة العالم 2023 عندما شق الطريق نحو اللقب الثالث على التوالي في فئة السائقين.
أبرز الأرقام التي دوّنها السائق المولود في بلجيكا، وينافس بألوان هولندا، فوزه بأكبر عدد من السباقات في موسم واحد (19 من أصل 22 سباقًا). هذا ليس كل شيء، فقد حقق 10 انتصارات في 10 سباقات متتالية. وفوق كل ذلك، حصد 575 نقطة، رصيد كان من شأنه أن يضمن لقب الصانعين لفريقه، حتى من دون احتساب نقاط زميله في الحظيرة ذاتها، المكسيكي سيرجيو بيريز (285).
لكنّ الإحصائية التي تروي القصة الحقيقية للنجاح، تتمثل في السطوة الكبيرة على عدد اللفات التي أنجزها متصدرًا طوال عمر البطولة.
ابن السائق السابق لـ"فورمولا 1" جوس فيرستابن، وابن السائقة السابقة في سباقات "جو-كارت" صوفي كامبن، نجح في إنجاز 1003 لفات على حلبات سباقات الموسم الماضي (22 حلبة) وهو في الصدارة، علمًا بأنّ زميله بيريز (34 عاماً) حلّ في المركز الثاني على هذا الصعيد (146 لفة في المقدمة).
مقارنة أرقام
يُعتبر البريطانيّ بات سيموندز من كبار المسؤولين التقنيّين في عالم "فورمولا 1"، وهو الرجل الذي يقف خلف اللوائح والقوانين الخاصة بهذه الرياضة الميكانيكية النخبوية، ويحمل نظريات عدة ترتبط بـ"جودة السباق".
اختار حلبتين عشوائيًا، مرسى ياس في أبو ظبي وسيلفرستون في بريطانيا، ثم أجرى مقارنة بالأرقام من عام 2021 (الأخير الذي شهد تطبيق اللوائح القديمة) وصولًا إلى 2022 و2023.
وبناءً عليه، أشارت بيانات سيلفرستون إلى انخفاض في جودة السباقات بين 2022 و2023 على الرغم من ارتفاع احتمالية التجاوز، فيما جاءت الأرقام المسجلة أفضل بكثير مقارنةً بأرقام 2021.
يقول سيموندز: "بين 2021 و2022، أحدثنا فارقًا كبيرًا على مستوى قدرة السيارة على مطاردة من يسبقها عن كثب، وبالتالي إمكان التجاوز. وهذا ما كان يتناقله السائقون في أحاديثهم أيضًا. في 2023، لم يكن الأمر جيدًا كما كان عليه في 2022. في أبو ظبي، نعم، حصلنا على مزيد من التجاوزات مقارنةً بالعام الذي سبق، لكنّ الواقع أشار إلى أنّ الأمر كان أصعب بقليل".
يضيف: "بشكل عام، تقلصت الفوارق في المنافسة في 2023 مقارنةً بـ 2022، وبات الوضع أفضل بكثير من 2021".
لكن إذا افترضنا بأنّ كل من تناوله سيموندز صحيح، نسأل: لماذا ثمة شعور بأنّ "فورمولا 1" لم تفرض تلك الأفضلية في 2023؟ يجيب: "ما جعل الأمر أكثر صعوبة في 2023 هو فيرستابن نفسه. صحيح أنّ أداءه في السباقات كان رائعًا ومتفوقًا على غيره، لكننا شهدنا صراعات كبيرة ومثيرة بين السائقين خلفه".
سيموندز الذي هَنْدَسَ تتويج السائق الألمانيّ الأسطوريّ ميكايل شوماخر باللقب العالميّ مع فريق بينيتون عامي 1994 و1995، وكان المدير التقنيّ خلال النجاحات المتتالية التي حققها الإسبانيّ فرناندو ألونسو مع الحظيرة ذاتها في 2005 و2006، يقول: "قام فريق ريد بول بعمل جبّار. سيارتهم رائعة. الأمر يشبه إلى حدّ ما بينيتون في 1994 حين كانت السيارة والسائق في حال من التكامل. لو كان بيريز (وليس فيرستابن) السائق الرئيسيّ في ريد بول خلال بطولة العام الماضي، لاختلفت النتائج تمامًا".
لقب رابع؟
انطلقت سلسلة عام 2024 من بطولة العالم، في 2 مارس الماضي، بسباق جائزة البحرين الكبرى، تلتها سباقات السعودية (9 مارس) وأستراليا (24 مارس) واليابان (7 أبريل) والصين (21 أبريل).
5 سباقات أقيمت حتى اليوم، فاز فيرستابن في 4 منها. هو متجه بلا شك نحو لقب 4 على مستوى بطولة العالم للسائقين، وربما إلى أبعد من ذلك.
خير دليل على هذا الكلام أنّ هذا السائق اعتاد تحطيم الأرقام منذ البدايات. ففي جائزة أستراليا الكبرى 2015 عندما كان يبلغ من العمر 17 عامًا و166 يومًا، أصبح أصغر من ينافس في "فورمولا 1". وفي سن الـ18، فاز بجائزة إسبانيا الكبرى 2016 في أول ظهور له مع "ريد بول"، ليصبح أصغر سائق على الإطلاق وأول هولندي يُتوّج بأحد سباقات "فورمولا 1".
وفي ضوء كل هذه المعطيات، يجدر بسيموندز ومعشر هذه الرياضة البحث عن حلول أخرى لإحياء بطولة العالم، لأنه لا يبدو، في المدى المنظور، بأنّ السائق الهولنديّ سيخفّف من سرعته الخرافية التي قادته إلى قمة هرم هذه الرياضة الميكانيكية الصعبة.