لخّص مدرب منتخب البرازيل، الإيطالي كارلو أنشيلوتي، المعروف بهدوئه وإدارته الذكية للمباريات، نظرته لـ "عامل الركض" في المباريات، برأي ساخر ومنطقي في آن: "كرة القدم لعبة تُمارَس بالقدمين، لكنها تُلعب بالعقل. لو كان الركض وحده يضمن الفوز، لتعاقدتُ مع العداء (الجامايكي) أوسين بولت ليلعب في فريقي".
في المقابل، يمثل أنتونيو كونتي المدرسة الإيطالية الشاقة، التي ترى في الركض والجهد البدني أساسا لكل شيء. يقول: "في فريقي، الركض ليس خيارا، بل واجب. إن كنت تريد الفوز، فعليك أن تكون مستعدا للبصق بالدم، والركض أكثر من خصمك. التكتيك مهم، لكنّ الرغبة في الركض والتضحية هي التي تجعل التكتيك ناجحا".
ثمة فوارق في مقاربة "عامل الركض". المشكلة لا تكمن فيه بحد ذاته، بل، ربما، بمقداره في العملية التكتيكية على مدى مباراة أو موسم.
حاولت صحيفة بريطانية الغوص في هذا المحيط لاسكتشاف مدى أهمية الركض، بعد تفريط مانشستر يونايتد بالفوز على توتنهام (1-1) ضمن الدوري الإنكليزي الممتاز، علما بأنه بقي متقدما حتى الدقيقة الثانية من الوقت المحتسب بدل ضائع. يومها، سارع النقاد إلى التشكيك بجهود لاعبي "يونايتد"، متسلحين بالإحصائيات البدنية.
نقاشٌ واسعٌ فُتح ودفع اللاعب السابق لليفربول، جايمي ريدناب، إلى القول: "هناك نمط لا يعجبني، وهو عندما يركض الفريق الآخر أكثر منك. الإحصائيات لا تكذب. في الدوري الممتاز، لا نقاش: عليك أن تركض أكثر من الفريق الآخر إن كنت تريد الفوز، أو على الأقل أن تقترب منه. ركض توتنهام 5 كيلومترات أكثر من مانشستر يونايتد".
تفسير شامل
أصبح الوصول إلى المقاييس البدنية، مثل المسافة المقطوعة وعدد الانطلاقات السريعة، وفهمها، مهمة سهلة. وعندما يفشل نادٍ كبير في تلبية التوقعات، يصبح بديهيا أن يراجع النقاد مقاييس الركض الخاصة به بحثا عن تفسير شامل.
لكن ما مدى الارتباط بين الركض وتحقيق النجاح؟
يقول مدرب المنتخب الألماني، يورغن كلوب: "ليس علينا الركض 115 كيلومترا في كل مباراة لنكون ناجحين. ليس عليك الركض كالمجنون إن كانت الكرة بحوزتك. إنها البداية فقط. يجب أن نعرف كيف نضغط في اللحظة المناسبة. تفكير أفضل وتوقيت أفضل. ولكن إذا لعبت ضد فريق أفضل منك بكثير، ولم تكن مستعدا للركض أكثر منه، فستكون مجنونا".
أما المدرب الإسباني جوسيب غوارديولا فرأى بأنّ "الأمر يتعلق بمتى يتعين عليك الركض. الركض لمجرد الركض؟ يمكنني الذهاب إلى مضمار ألعاب القوى والطلب من عدّائي الماراثون أن يلعبوا معنا. الأمر لا يتعلق بذلك، بل بالوقت الذي يتعين عليك فيه القيام بذلك".
وللوقوف على مدى تأثير الركض، قارنت الصحيفة ذاتها ترتيب فرق الدوري الإنكليزي الممتاز في الموسم الماضي، بترتيبها على صعيد المسافة المقطوعة والمسافة المقطوعة بكثافة عالية.
النتيجة أنّ ترتيب الفرق لم يعكس تقريبا ترتيب المسافة المقطوعة أو المسافة عالية الكثافة. بالتأكيد، كان أرسنال البطل ومانشستر سيتي الوصيف، متقدمَين من حيث المسافة الإجمالية، لكنّ إنتاجية الفرق بين المركزين الثالث والثامن جاءت متوسطة. وبلغ متوسط المسافة لفرق المراكز العشرة الأولى، 4363 كيلومترا على مدار الموسم، بينما سجل متوسط فرق المراكز العشرة الأخيرة 4332 كيلومترا. الفارق البالغ 31 كيلومترا يُعد صغيرا نوعا ما.
ولوحظ بأنّ هناك فارقا ضئيلا بين متوسط المسافة عالية الكثافة لفرق المراكز العشرة الأولى (338.7 كلم)، وفرق المراكز العشرة الأخيرة (328.4 كلم). نسبة لا تتعدى 3 في المئة. وعند التدقيق في بيانات الموسم الجاري، يصعب ملاحظة ارتباط كبير أيضا.
ورغم ذلك، لا يمكن التسليم بأن لا علاقة للركض في النجاح.
فلسفة صارمة
تُعتبر "أوبتا" أكبر وأشهر شركة عالمية متخصصة في جمع وتحليل البيانات الرياضية، وهي من كشف بأنّ 10 فرق في الدوري الممتاز، أنهت الموسم الماضي في مركز أعلى بمرتبة واحدة على الأقل من مركزها المرجح، وبلغ متوسط ركضها 4369 كيلومترا على مدار الموسم، فيما بلغ متوسط الأندية التسعة التي أنهت الموسم في مركز أدنى بمرتبة واحدة على الأقل من موقعها المرجح، 4308 كيلومترات. هناك فارق، لكنه لا يتجاوز 1.4 في المئة.
أرقام قد لا تجذب انتباه المدرب الهولندي السابق، لويس فان غال، الذي اشتُهر بفلسفة صارمة وجملة أيقونية: "الركض للحيوانات! أنت بحاجة إلى عقل وكرة لتلعب كرة القدم."
وبالنسبة إلى مدرب فريق ريال مدريد الإسباني، البرتغالي جوزيه مورينيو، فهو يرى بأنّ الركض من دون تنظيم دفاعي وتكتيكي صارم، لا يعدو عن كونه إهدارا للطاقة، ويضيف: "الركض ليس الأهم، بل التمركز الصحيح والضغط في الوقت المناسب. يمكنك أن تعدو 12 كيلومترا في المباراة وتقدم أداءً سيئا، لأنك ركضت في مساحات خاطئة وأردت تصحيح أخطاء تكتيكية ارتكبتها بنفسك."
استحواذ على الكرة
عند تحليل المقاييس البدنية خلال الموسم 2025-2026، فإنّ المقياس الذي أظهر أقوى ارتباط بالترتيب النهائي كان "المسافة المقطوعة أثناء الاستحواذ على الكرة". لكنّ هذا لا يعني بالضرورة بأنّ فريقا أنهى الموسم في مركز متقدم، لأنه ركض أكثر أثناء الاستحواذ، بل هو، على الأرجح، انعكاس لامتلاكه الكرة بشكل أكبر بالنظر إلى ضمه لاعبين أفضل.
بالنسبة إلى الراحل الهولندي يوهان كرويف، الأب الروحي للكرة الشاملة ومؤسس الفلسفة الحديثة لفريق برشلونة الإسباني، فإنّ الركض المبالغ فيه، دليل على غباء تكتيكي: "ممارسة كرة القدم أمر بسيط للغاية، لكنّ تقديم كرة قدم بسيطة هو الأصعب على الإطلاق. إن كانت الكرة بحوذتك، لا تحتاج إلى الركض بجنون. في فريقي، الكرة هي من يركض، واللاعبون يتحركون بذكاء لشغل المساحات فقط."
قد يبدو بأنّ الرابط الأكبر بين المقاييس البدنية والنجاح، يأتي على مستوى المباراة الواحدة، وليس على مدار موسم. ويُلاحظ بأنه، منذ بداية الموسم الماضي، كانت هناك 86 مباراة في الدوري الممتاز غطى فيها فريق مسافة أقل بـ 5 كيلومترات على الأقل من منافسه. كما فاز الفريق الذي غطى مسافة تقل بـ 5 كيلومترات على الأقل، 10 مرات، سبع منها متوقعة من "أوبتا"، وبنسبة فوز 11.6 في المئة.
20 من هذه المباريات شهدت طرد لاعب على الأقل، وقد يكون لذلك تأثير على المجهود البدني. وباستثناء المباريات الـ 20، سُجلت ثمانية انتصارات للفريق الذي غطى أقل بـ 5 كيلومترات على الأقل من منافسيه، من أصل 66 مباراة. هنا ترتفع نسبة الفوز إلى 12.1 في المئة.
جهد بدني
تشير الأرقام إلى وجود علاقة، وإن سطحية، بين الركض وتحقيق الفوز. لكن لا ينبغي القفز إلى الاستنتاجات والتسليم بأنّ الركض الإضافي أكثر حسما من عوامل أخرى.
غالبا ما ترتبط المقاييس البدنية بأسلوب اللعب، لذا يمكن لإنتاجية فريق ما أن تؤثر بشكل مباشر على إنتاجية خصمه.
السبب في أنّ كثيرين يميلون للاعتماد على الأرقام هو على الأرجح لأنها، في الظاهر، بسيطة في عملية الفهم وسهلة الربط بالجهد المبذول، خصوصا لفريق خاسر. لكنّ عدم وجود ارتباط قوي بين المسافة المقطوعة خلال موسم كامل والنجاح يشير، على الأرجح، إلى أنّ الحل على المدى الطويل ليس إنهاك الفريق بالركض المتواصل، بل معرفة متى يجب رفع الكثافة لتحقيق أقصى تأثير.
مدرب فريق أتلتيكو مدريد الإسباني، الأرجنتيني دييغو سيميوني، يعتمد المنظومة الدفاعية الحديدية والجهد البدني الخارق، ويعطي انطباعا بأنه وفريقه ذاهبان لخوض حرب قبل أيّ مباراة. يقول: "الموهبة وحدها لا تكفي. في كرة القدم الحديثة، الجهد البدني والركض لإغلاق المساحات، هما ما يمنحان الموهبة فرصة لتظهر وتصنع الفارق. الفريق الذي يتوقف عن الركض، يتوقف عن كونه فريقا كبيرا".
الظهور بمظهر المفتقر إلى الجهد، يمثل خطيئة في فريق كرة قدم يعاني مثل مانشستر يونايتد. لكنّ الحل نادرا ما يكون "اركض أكثر فقط".
ربما من الأفضل فرض نوع من المساواة عبر اعتماد قول مستوحى من فلسفة الصيني كونفوشيوس: "في الركض، لا يهم كم أنت بطيء ما دمت لا تتوقف".
