يوميات المونديال.. مبارك؟ لا.. بل شكرا إسبانيا

آخر تحديث:

شاركنا:
أمام فرنسا، بدت إسبانيا كما "الماكينات الألمانية" في عزّها (رويترز)

هل هو درس؟ لا، أكثر من ذلك.

صدفة؟ بالتأكيد لا.

مباراة العمر؟ لا بل مباراة الواقعية. ترجمة مثالية لما يمكن أن يقال عنه أحقية مكتملة بالفوز. وعندما يتعلق الأمر بمناسبة من قماشة الدور نصف النهائي لكأس العالم، فإنّ المسألة تصبح أكثر من كل ذلك بكثير.

الفوز على فرنسا من دون رمشة عين

على هذا المستوى من المنافسة، أين الحذر والترقب؟ أين الخشية من منتخب فرنسي مرعب، مرشح أول وبخطّ هجومي ناري، يضم ربما، أو فعلا، 3 من أخطر وأمهر وأروع المهاجمين في المعمورة؟ قد تبني منتخبا كاملا وجيلا حول كل واحد منهم. نتحدث هنا عن كيليان مبابي الذي يُعتبر أفضل مهاجم اليوم، وعثمان ديمبيلي حامل "الكرة الذهبية" كأفضل لاعب في العالم، ومايكل أوليسي أفضل موهبة في الملاعب.

كيف يمكن أن يذوب كل هؤلاء ولا يظهر أحدهم ليلعب دور المنقذ، مستفيدا من حضور زميل له في عملية إرباك الدفاع الخصم؟ أين أهداف مبابي وحرفنة ديمبيلي واختراقات أوليسي وتمريراته الزئقبية؟ أين سلاسة برادلي باركولا وموهبة ديزيري دويه؟

صحيح، فشلت فرنسا، لكنّ السؤال: أين مكمن الضعف الذي عليها أن تعمل عليه مستقبلا؟ لا جواب. هل عليها طيّ الصفحة والعمل على قطاع الناشئين؟ لا. هل تعاني ضعفا في أحد الخطوط؟ لا. هل كان المدرب ديدييه ديشان السبب المباشر في العجز عن بلوغ نهائي مونديال 2026؟ لا.

فلنبحث عن سبب. ربما لم يواجه "الديوك" خلال مسيرتهم في البطولة أيّ خصم من الفئة الأولى، لكن، لنكن واقعيين: هل البرازيل أو ألمانيا أو الأرجنتين أو إنكلترا أو هولندا أو البرتغال أفضل من فرنسا؟ بالتأكيد لا.

هل يملك أيّ منتخب في العالم العمق في التشكيلة الذي يتغنّى به الـ"زرق"؟ قطعا لا.

من هذا الذي يملك مقومات الفوز على فرنسا من دون رمشة عين، استفادة من خطأ تحكيمي، خشونة، رهبة، مركّب نقص أو خشية من ردة فعل؟ من ذا الذي يدخل الملعب أمام "ديوك مفترسة" بثقة، وعي، رغبة، هدوء، ذكاء وصبر؟

إنه منتخب إسبانيا الذي لم يمنح الفرصة لأحد للشكوى. فقط تصفيق لا يتوقف على أداء مثالي لم يترك مجالا لأيٍّ كان، حتى لأيٍّ فرنسي ناقم، ليدّعي عذرا واحدا للسقوط في نصف النهائي، كونه جاء مستحقا لا غبار عليه.

"بطل لا يُقهر"

لا كلام يقال بعد أداء مثالي لرجال المدرب لويس دي لا فونتي. لا ملاحظة. لن يكون على الأخير توجيه أيّ كلمة للاعبيه بعد موقعة نصف النهائي. تطبيق حرفي لكل ما قيل في الأيام التي سبقت اللقاء. لا صدفة ولا حظ ولا خطأ ولا سوء تقدير.

هذه هي المباراة المثالية، المباراة المرجع، المباراة الدرس.

عانت إسبانيا قليلا أمام الرأس الأخضر، قبل أن تتجاوز السعودية بسهولة والأوروغواي بقليل من الصعوبة في دور المجموعات. لا يهم.

تجاوزت النمسا براحة تامة في دور الـ32 وبثلاثية مستحقة، ثم استغلت سلاحا سريا تمثل في ميكل ميرينو لتُسقط البرتغال في دور الـ16 في وقت قاتل، ثم بلجيكا بالسيناريو نفسه في ربع النهائي. وعندما بات الأمر أكثر جدّية وباتت المسألة مرتبطة بمقعد في نهائي كأس العالم، استجمع الإسبان قواهم وسيطروا على منتخب فرنسي مدجج بالنجوم، طولا وعرضا. هكذا يبني البطل "شخصية البطل" خلال بطولة مجمّعة.

كل ذلك من دون وجود هدّاف من أمثال النروجي إيرلينغ هالاند، أو الإنجليزي هاري كاين. كل ذلك من دون أن يصل النجم الأول لامين يامال إلى قمة مستواه. كل ذلك بلاعبين اجتمعوا سويا لتشكيل "بطل لا يُقهر".

وداعا للفردية والنجم الأوحد والخطة القائمة على نبوغ لاعب، ومرحبا بـ"الفريق" بكل ما يحمله الاسم من تضحية الزميل لزميله، والقبول بأيّ دور داخل التشكيلة، والتفاني في سبيل الخطة، المنظومة والقميص.

أمام فرنسا، بدت إسبانيا كما "الماكينات الألمانية" في عزّها، كما كتيبة "راقصي السامبا" في أيام سحرها، كما "الطواحين الهولندية" في زمن "كرتها الشاملة"، كما الـ"كاتيناتشيو الإيطالية" في ذروتها، وكما الأرجنتين في قمة شكيمتها ورغبتها.

مبارك إسبانيا بلوغ النهائي؟ لا لا، فلنقل: شكرا إسبانيا.