لطالما ارتبطت عبارة "صُنعَ في الصين" بقناعة داخلية بديهية لدى السواد الأعظم من الجمهور تفيد بأنّ السلعة التي دُمغت بها تفتقر إلى الجودة، هذا إن انسلّت من براثن الاتهام بأنها "تقليد".
يكمن "إغراء المنتج الصيني" في السعر لكن النوعية تبقى العقبة أمام إقناع أيِّ مقبلٍ على الشراء. فهو يفضل دفع المزيد من النقود في سبيل منتج من مصدر آخر يحظى بـ "حياة مديدة" ولا ينطوي اقتناؤه على مخاطرة.
ماذا لو كان المنتج المعنيّ سيارة؟ هنا، ترتفع حدّة الشك، تتسابق الـ"لاءات". محرك هزيل، هيكل ركيك، مقصورة فقيرة، عناصر سلامة وأمان شبه معدومة.
رغم كونها سيارة صينية قادمة من مصنع صيني، إلا أنها تبقى آتية من حيّز "المجهول"، ولسان الحال يردد: يريدونها أن تبدو كما الأوروبية، الأميركية، اليابانية وحتى الكورية الجنوبية. لا هوية خاصة لها.
لم تكن هناك آفاق واضحة، خارطة طريق، أو حتى خطة عندما بدأت السيارات الصينية "الغريبة" تحلّ ضيفة خجولة على الشوارع، في كل مكان. عكست، حينها، هوية سائقها: هو دون متوسطي الأجر، يريد سيارة "أي كلام" بسعر مغرٍ، تقيه أشعة الشمس الحارقة والأمطار، خلال تنقلاته.
محركات في حدود الحاجة، تصاميم تفتقد إلى الجاذب. مقصورة تشمل اللازم. وإن وُجد جديد، كان حُكماً في حدود تقليد الغير، حتى باتت المواصفات التقليدية في سيارات أخرى تمثل إنجازاً عندما تُزرع في نظيراتها الصينية.
بين الماضي والحاضر، عاشت الرحلة الصينية حلماً اعتقده البعض وهماً، إلى أن تحوّل واقعاً وضع السيارات القادمة من بلاد "تنّين الشرق" في المقدمة. الصين تتربع على عرش الإنتاج والمبيعات للعام الـ17على التوالي. هي المصدّر رقم 1 للسيارات في العالم، متجاوزةً اليابان وألمانيا. وهي المسيطر على أكثر من 60 في المئة من السوق العالمي للمركبات الكهربائية في 2026، حتى أنها لُقّبت بـ"مصنع العالم للسيارات".
فوق كل ذاك، تُوصف بـ"القوة العظمى لسيارات الطاقة الجديدة" نظراً إلى هيمنتها المطلقة على إنتاج وتطوير المركبات الكهربائية وبطارياتها عالمياً.
كان معلوماً بأنّ الصين هي "القوة العظمى الصاعدة" في إشارة إلى منافَستِها المباشرة للولايات المتحدة في قيادة الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا، وأنها "عملاق التكنولوجيا الخضراء" بفضل سيطرتها على صناعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتقنيات الاستدامة في 2026، لكنها، في قطاع السيارات، نجحت بوضع نقطة نهاية للصراع بعدما رسّخت حضورها حيث لا يطأ الآخرون.
عائق الحرب
بدأت القصة في العام 1931 حين شرعت الصين في صناعة شاحنة "مينغ شنغ"، لكن الإنتاج لم يكتمل بسبب الحرب. الخطوة الأكثر جدّية تعود إلى سنة 1953 لدى تأسيس مصنع "FAW" بمساعدة سوفياتية. كان الهدف بناء شاحنات للجيش.
بعدها بـ5 سنوات، ولدت السيارة الصينية الأولى، وحملت اسم "هونغ تشي" أي "الراية الحمراء". كانت تُصنع يدوياً وبأعداد ضئيلة جداً.
بعد 3 عقود، اعتمدت الصين "سياسة الانفتاح"، فاتخذت قراراً تاريخياً تمثل في السماح للشركات الأجنبية بدخول سوقها الضخم بشرط واحد: تأسيس شركات مشتركة مع شركات صينية.
وصلت "فولكس فاغن" الألمانية أوّلاً. تبعتها "جنرال موتورز" الأميركية فـ "تويوتا" اليابانية. تمت العملية وفق التالي: "نحن نعطيكم السوق، وأنتم تعلموننا التكنولوجيا". هكذا، جرى تلقين المهندسين الصينيين أسرار الجودة وسلاسل الإمداد العالمية.
ومع انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في 2001، ظهرت أسماء جديدة للسيارات مثل "جيلي" (Geely)، "بي واي دي" (BYD) و"تشيري" (Chery). سخر العالم من التصاميم التي كانت، بشكل فاضح، نسخاً مقلدة لسيارات أوروبية ويابانية، لكن الصينيين كانوا يطبقون حينها إستراتيجية "التعلّم السريع والاستثمار في المستقبل".
أحد المنعرجات الحاسمة في المسيرة تمثل في استغلال انكباب شركات السيارات العالمية العريقة على تطوير محركات البنزين المعقدة. هنا، قررت الحكومة الصينية استباق الزمن، فدعمت قطاع "سيارات الطاقة الجديدة" بمليارات الدولارات من الحوافز. كانت ضربة معلم، إذ لم تعد الصين اليوم أكبر سوق سيارات في العالم فحسب، بل "وادي السيليكون للسيارات الكهربائية": شركات مثل BYD تجاوزت "عمالقة الغرب" في حجم المبيعات، وباتت البطاريات الصينية بقيادة شركة CATL تمثل القلب النابض لمعظم السيارات الكهربائية في العالم.
خير دليل على ذلك أن الصين تمتلك أكثر من 70% من قدرة إنتاج بطاريات الليثيوم عالمياً، وهي من يوفّرها لمعظم الشركات الكبرى، بما فيها "تيسلا" و"مرسيدس"|، الأمر الذي منح السيارات الصينية سمعة "الأفضل في المدى والاعتمادية الكهربائية".
أصبحت بلاد الـ1.4 مليار نسمة، المرجع، فالمركبة الكهربائية الصينية في 2026 تُعتبر "الأصل"، فيما تحاول البقية اللحاق بها، خصوصاً في تكنولوجيا البطاريات.
وبفضل الذكاء الاصطناعي، لم تعد السيارة الصينية مجرد وسيلة نقل، بل أشبه بـ"هاتف ذكي على عجلات" مزوّد بتقنيات القيادة الذاتية من المستوى الرابع مع ارتباط كامل بشبكات تقنية الجيل السادس (6G)، ما يضع الشركات التقليدية أمام تحدي التغيير الجذري في منصاتها التقنية.
معايير الجودة
في العام 2026، يُنتظر أن يعيش القطاع تحولاً مذهلاً. فقد تحطمت أرقام قياسية بالجملة، أبرزها أن مبيعات الصين تجاوزت حاجز الـ34 مليون سيارة سنوياً، ومن المتوقع أن يستمر الاستقرار في الإنتاج حتى 2030.
على خط موازٍ، وصلت قيمة الصادرات من المركبات الصينية إلى أكثر من 112 مليار دولار بنهاية 2025، لأسباب عدة بينها فرض الحكومة معايير جودة صارمة جداً على الشركات التي ترغب في التصدير، فيما أصبحت المصانع في البلاد من الأكثر أتمتة في العالم، إذ تدار بواسطة الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتقليل الأخطاء البشرية، ما رفع جودة التجميع إلى مستويات تضاهي الصناعة اليابانية والألمانية.
لكن الصين لم تعد تكتفي بالتصدير، بل شرعت بإنشاء مصانع ضخمة في قلب أوروبا، المكسيك وجنوب شرق آسيا، لتجنب الرسوم الجمركية وتجاوز "حرب الأسعار" الداخلية، فتحولت من "مصنع العالم" إلى "مبتكر العالم"، علماً أن شركات صناعة السيارات الصينية الكبرى شكلت حوالي 43% من السوق العالمية في 2025.
تُصنف هذه المركبات اليوم ضمن مجموعات تقود الابتكار العالمي: هناك العمالقة الأربعة الكبار أي BYD، Geely، Chery، Changan والتي تستحوذ على حوالي 56 في المئة من مجمل مبيعات الشركات الصينية.
يتمركز معظم القادة التكنولوجيين في BYD الرائدة عالمياً على صعيد مبيعات السيارات الكهربائية والهجينة (باعت 4.6 ملايين مركبة في 2025)، Geely التي تمتلك علامات تجارية عالمية مثل "بوليستار"، "زيكر"، و"فولفو" السويدية المعروفة بأنها الأكثر أماناً في العالم. واقعٌ مكّن الصين من نقل معايير الأمان الأوروبية إلى سياراتها المحلية، الأمر الذي رفع ثقة المستهلك العالمي.
من جهتها، دخلت Xiaomi السوق بقوة عبر طراز SU7 الذي أصبح بين العشرة الأكثر مبيعاً في الصين.
وتعتبر Changan من أقدم الشركات وأكثرها مبيعاً في قطاع محركات البنزين والكهرباء، فيما تهيمن Jetour وHaval على فئات الدفع الرباعي (SUV).
وحرصت الصين، بهدف تجاوز تهمة التقليد، على استقطاب "نجوم التصميم" من أوروبا، مثل المصمم السابق لدى "أودي" و"لامبورغيني"، الألماني فولفغانغ إيغر، والمصمم السابق لـ"رولز رويس"، البريطاني غايلز تايلور، وغيرهما، فانتقلت سياراتها من مرحلة "التقليد" إلى مرحلة "الإلهام".
تكلفة الإنتاج
تنفرد الصين في العام 2026 بامتلاك سلسلة إمداد متكاملة، فهي لا تصنع السيارات فحسب، بل البطاريات، المحركات الكهربائية، والرقائق الإلكترونية، ما يجعلها تتفوق على الدول الأخرى كافة لجهة تكلفة الإنتاج وسرعة الابتكار.
من خلال التركيز على الذكاء الاصطناعي، البطاريات، والقيادة الذاتية، تنافس الشركات الصينية أعتى الشركات العالمية.
انتقلت من كونها مجرد منتِج للسيارات إلى قوة رائدة ومبتكرة، خصوصاً في قطاع المركبات الكهربائية حيث تستمر في فرض هيمنتها على الأسواق المحلية والعالمية.
ولكسر حاجز الخوف لدى المستهلك الدولي، قدمت الشركات الصينية ضمانات غير مسبوقة، مثل ضمان مدى الحياة على البطارية في عدد من الأسواق، وضمانات تصل إلى 7 أو 10 سنوات على السيارة بالكامل.
هذه الخطوات تقنع المشتري بأن الصانع الصيني يثق في منتجه بما يكفي ليتحمل تكلفة إصلاحه لسنوات طويلة.
ورغم توقع "ركود مؤقت" في المبيعات المحلية خلال 2026، إلا أن الحصة السوقية العالمية للعلامات الصينية مرشحة للزيادة مع نضج شبكات الخدمة وما بعد البيع دولياً.
بدأت "بلاد تنّين الشرق" رحلتها في قطاع السيارات ببطء وهدوء في محاولة منها لمحاكاة الغرب، قبل أن تنهي المشوار وهي تقود العالم نحو عصر مبتكَر، حاملةً وبكل فخر شعار "صُنع في الصين".