إلغاء شعيرة ذبح الأضحية في المغرب

شاركنا:
رسالة ملكية دعت المواطنين إلى عدم إقامة شعيرة ذبح الأضحية (رويترز)

يدرك كثيرون أن عيد الأضحى في المغرب قد تحول من طقس ديني إلى عادة اجتماعية، مع تسابق الجميع على شراء الأضحية، والتباهي أحيانا بذلك، بل وتحمل ضغوطات هائلة، خصوصا عند الفئات الأكثر فقرا وهشاشة، قد تصل إلى حد الاقتراض، للحصول على كبش يعلم الجميع أن الدين لم يأمر بتحمل المشاق أو تكليف النفس ما لا تطيقه للحصول عليه.

أستعيد شتات ذاكرة الطفولة في هذا الصدد، وأتذكر كيف تحمل عودة أجواء العيد كل سنة مجموعة من النكت الطريفة، التي تتندر على إصرار البعض على التباهي بارتفاع ثمن الأضحية التي اقتنوها، وكان الحديث عن خروف ثمنه "60 ألف ريال" (بالدارجة المغربية أي 1,000 درهم أو ما يعادلها بحوالي 300 دولار أميركي) من باب المبالغات التي تضفي جوا مرحا على انشغال الجميع بتدبير ثمن الأضحية.

مرت الأعوام، وعانى المغرب في الأعوام الأخيرة من ظروف مناخية صعبة، تسببت في تراجع رؤوس الأغنام، وبالتالي تسجيل ارتفاع صاروخي في أسعار الأضاحي، تجاوز في العام الماضي حاجز الـ 400 أو 500 دولار لخروف يمكن وصفه بـ"العادي"، فتحولت بذلك نكتة الأمس إلى واقع اليوم، وتهامس البعض بإمكانية إلغاء شعيرة ذبح الأضحية، وهو ما تردد أيضا عام 2020 في أوج أزمة تفشي وباء كورونا.

الخاسر الأكبر هم "الشناقة"

حل هذا العام، وكل التوقعات المناخية والفلاحية تشير إلى أنها سنة جفاف أخرى، أثرت على قطاعات فلاحية عديدة، وساهمت في ارتفاع نسبة التضخم وغلاء الأسعار، وقد تابع كل المغاربة مثلا قصة بائع السمك الشاب الذي قرر تحدي المضاربين، وبيع أسماكه بأسعار رخيصة للغاية (5 دراهم أو نصف دولار تقريبا للكيلوغرام) مخلفا ردود أفعال واسعة، وتعامل المواطنين مع البائع الشاب باعتباره بطلا، قرر تحدي مافيا الأسعار التي أرهقت الجيوب، وحولت تأمين القوت اليومي إلى معاناة كبرى.

كثرت إذن الإشاعات المتعلقة بمصير عيد الأضحى هذه السنة، وقيل إن المغرب سيستورد خرفانا من أستراليا، وأن أسعار الأضاحي قد تبلغ مستويات غير مسبوقة، إلى أن أتى الخبر اليقين، قبل حلول شهر رمضان بقليل، بتلاوة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، رسالة ملكية تدعو المواطنين إلى عدم إقامة شعيرة ذبح الأضحية، نظرا لتعقيدات الظروف المناخية سالفة الذكر.

والواقع إنها ليست أول مرة يقرر فيها المغرب إلغاء الشعيرة، فقد تكرر ذلك 3 مرات أخرى من قبل.

في عام 1963 قرر الملك الحسن الثاني إلغاءها لمعاناة المغرب من ظروف اقتصادية صعبة، يربطها البعض بتداعيات حرب الرمال ضد الجزائر، كما ساهمت ظروف معقدة أخرى بداية الثمانينيات، بين سياسة التقويم الهيكلي وتوالي سنوات الجفاف والحرب الطويلة في الصحراء إلى إلغاء الشعيرة مرة أخرى، وبالضبط عام 1981، وإن لم يمر القرار وقتها مرور الكرام، مع إصرار البعض على تحديه (وبطريقة مهينة أحيانا) متمسكين بما اعتبروه قدسية لا تمس للشعيرة، فوقعت أحداث دامية دفعت فيها مناطق بعينها ثمنا باهظا نظير رفضها الالتزام، أما آخر قرار بالمنع فقد كان عام 1996، لظروف اقتصادية ومناخية مماثلة.

أما اليوم، فرغم بعض النقاشات "الطبيعية" على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن القرار خلف ارتياحا عارما لدى الجميع، خصوصا الفئة المعوزة، فيما تأكد أن الخاسر الأكبر هم المضاربون أو "الشناقة" بالتعبير المغربي الدارج، وهم المتحكمون في الأسعار، والمساهمون في بلوغها أو حتى تجاوزها للمستويات التي صنفت في الماضي كنكت غير قابلة للتصديق أو التحقق.