التصعيد الروسي - الأوكراني.. إلى أين؟

آخر تحديث:

شاركنا:
موسكو أوصلت رسائلها بأنها قادرة على تدمير أي منظومات دفاعية تصل إلى كييف (رويترز)

من المؤشرات التصعيدية بين الجانبين الروسي والأوكراني، يبدو أنّ التصعيد المتبادل لن يذهب إلى حسم قريب، بل إلى مرحلة يمكن تسميتها بمرحلة الاستنزاف، بما يرفع سقف شروط التفاوض حول أيّ تسوية سياسية محتملة مقبلة، خصوصا أنّ موسكو عبر ضرباتها القوية على كييف، توصل رسائل قوية للغرب الداعم لأوكرانيا بأنها قادرة على التصعيد إلى أيّ مستوى مهما كان، فيما تراهن كييف على الاعتماد على نفسها وبناء منظومة ذاتية تعتمد فيها على قدراتها المحلية، بدلا من الدعم الغربي، وهذا فيه شيء من الانتحار، لأنها من دون الدعم الخارجي لن تستطيع مواجهة السلاح الروسي الذي بتضمن الكثير فضلا عن دوام تطوره.

وفي تدقيق في حجم ونوع الضربات المتبادلة، يبدو أنّ كل طرف يملك بنك أهداف محددا، إذ تركز روسيا على الأماكن اللوجستية وقواعد التصنيع الأوكرانية وخطوط الإمداد، بينما تركز أوكرانيا على ضرب المواقع الحيوية الروسية، وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر، بما في ذلك استهداف العاصمة الروسية وقواعد النفط والمطارات العسكرية، بالتالي هذه مؤشرات تصعيدية تهدف إلى إثبات وجهة نظر أكثر منها إلى محاولة حسم الحرب التي لن تُحسم عسكريا ربطا مع استمرار التدخل الغربي في تقديم الدعم للجانب الأوكراني.

المواجهة الروسية - الأوروبية قادمة

وبينما ينظر الغرب إلى روسيا بأنها بدأت تُستنزف، يبدو أنّ موسكو قد أوصلت رسائلها بأنها قادرة على تدمير أيّ منظومات دفاعية تصل إلى كييف، وتدمير القواعد وما إلى ذلك، لذلك ما يحدث الآن هو عملية تصعيد متبادل لكن بدون حسم عسكري ولا الذهاب نحو تسوية سياسية، بل تحسين شروط كل طرف عبر القوة العسكرية تمهيدا لما هو قادم، غير أنّ الداعم الغربي ينظر إلى هذه الأزمة على أنها تضر بأمنه القومي، وأنّ دعم أوكرانيا ينطلق من هذا التوجه، خصوصا وأنّ المواجهة الروسية - الأوروبية قادمة لا محالة، بصرف النظر عن قوتها أو مكانها أو زمانها، فتعطيل روسيا بهذه الحرب، هو عملية تأخير من وجهة نظر أوروبا، فكلما طال أمد الحرب كلما تأخرت تلك المواجهة، لذلك يعمل الجانب الغربي على مساعدة أوكرانيا لعدم حسم الوضع العسكري لأيّ طرف، مقابل الإبقاء على الأجواء ملتهبة بما يضمن إشغال روسيا في هذه الحرب إلى أطول مدة ممكنة.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل المسارين السياسي والعسكري، إذ إنّ دخول أوكرانيا على خط التصنيع وإنتاج باتريوت محليا، يوصل رسائل متعددة أولها عسكرية بأنها مصممة على حماية مدنها ومنشآتها من الضربات الروسية، ما يعني أن لا استسلام قريب ولا قبول بتسوية لا تضمن طلبات كييف، أما الرسالة الثانية فهي سياسية تؤكد استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، لأنّ مشروع التصنيع بدون الدعم الغربي لن يتحقق، أما الرسالة الأخيرة فهي رسالة إستراتيجية وهي بناء منظومة دفاعية محلية بعيدا عن المساعدات الخارجية، بالتالي هناك تصميم مشترك ما بين أوكرانيا والحلفاء الغربيين، على نقل الصراع إلى مراحل متقدمة وإدخال عوامل عسكرية جديدة إلى جانب الطائرات المسيّرة، بما ينذر ما أشير إليه بأنّ الهدف هو إطالة الحرب أكثر من التوجه لحل الأزمة سياسيا، وإبقاؤها عند الحدود التي وصلت إليها، فسلاح العقوبات على روسيا لم يتوقف وهو مستمر، وكل الأحاديث عن ضرورة فتح حوار جاد، ليست سوى محاولات سياسية تهدف إلى كسب الوقت، إلا أنّ روسيا في هذا الجانب كانت حاسمة، وقال وزير الخارجية الروسية، سيرغي لافروف في هذا السياق، إنّ روسيا "استنفدت نهائيا" رصيد ثقتها في وجود رغبة لدى الغرب للتوصل إلى اتفاقات.

بالتالي، يمكن القول إنّ الأيام المقبلة ستحمل الكثير من المفاجآت قد لا تكون على أرض العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، لكنها بكل تأكيد ذات صلة بها، لذلك، فإنّ هذه الرسائل تركز على المستقبل بينما الأدوات الروسية تعتمد على الوقت الراهن، وهو ما يفشل هذا المشروع على المدى المنظور خصوصا مع اقتناع الجانب الأميركي بضرورة التسوية بين موسكو وكييف، أما إذا حدث العكس، فهذا يعني اتساع رقعة الحرب لتخرج عن نطاقها الحالي، وهو أمر متوقع يبقى الغامض فيه عدم معرفة متى يمكن أن يحدث.

وهذا يعني أنّ الوضع متأرجح إذ لم يدخل مرحلة مستعصية، ولكنّ الحرب مستمرة وهو الاحتمال الأقرب، مع الإشارة إلى أنّ المنطقة قد دخلت رسميا مرحلة خطرة تتعلق بمحاولة كل جانب تغيير المعادلة لصالحه قبل أيّ تسوية محتملة، فهذه الأمور ليست أكثر من رسائل بعيدة المدى لكنها ستكون مؤثرة بكل تأكيد.