نجحت الحكومة اللبنانية في اجتياز استحقاق بالغ الأهمية والخطورة نسبة واقع المعادلة السياسية والأمنية في لبنان. اتخذ في مطلع هذا الأسبوع قرار طرد السفير الإيراني في لبنان، وذلك قبل أن يقدم أوراق اعتماده رسميا عبر سحب الموافقة على اعتماده، وطلب منه المغادرة بحلول يوم غد الأحد.
أتى ذلك في أعقاب قيام قوات إسرائيلية باغتيال قيادي لبناني يعمل ضمن منظومة "فيلق القدس" في لبنان كان مختبئا في مبنى في منطقة تقع على مقربة من القصر الجمهوري اللبناني ووزارة الدفاع. وجاء الرد بطرد السفير الإيراني كرسالة موجهة إلى النظام الإيراني مفادها أن مرحلة تجاوز الدولة اللبنانية انتهت، وأن ثقل "حزب الله" الذي يعد ذراعا إيرانية في لبنان لم يعد يكفي طهران لكي تواصل العمل بحرية تامة على الأراضي اللبنانية.
سفير كرتبة مستشار أمني وعسكري
فقبل طرد السفير كان رئيس الحكومة نواف سلام قد ألمح إلى أن الدولة تعمل على إخراج جميع العناصر التابعين لـ"فيلق القدس" المنتشرين في لبنان، الذين يعملون في نطاق التخطيط والقيادة والسيطرة مع "حزب الله". السفير الإيراني الذي اتخذ بحقه الجراء معروف بانتمائه إلى منظومة الحرس الثوري في إيران، وأن مهمته في لبنان ليست دبلوماسية، بل أمنية وعسكرية.
هذا ما لم يعد بمقدور لبنان الرسمي أن يتقبله، بعد كل ما جرى من تجاوزات لقرارات الدولة بحصر السلاح، ثم بحظر الأنشطة الأمنية والعسكرية لـ"حزب الله"، فقامت بخطوة أولى لإنذار إيران بأن العلاقات من دولة إلى دولة وصلت إلى الحضيض. بمعنى أن استمرار النظام الإيراني بالعمل أمنيا وعسكريا في لبنان عبر السفارة التي لا تزال تضم بين جدرانها عشرات المستشارين الأمنيين التابعين لـ"فيلق القدس" سيدفع الحكومة اللبنانية في لحظة معينة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مهما فعل الحزب المذكور الذي فشل في عرقلة القرار السيادي اللبناني. وبالتالي لم يعد أمام السفير سوى المغادرة بناء على مطالبة الحكومة اللبنانية.
وتهديدات الحزب لم تعد تخيف المستوى السياسي اللبناني، الذي بدأ شيئا فشيئا يتمرد على الأمر الواقع الذي فرضه "حزب الله" بالقوة والعنف على البلاد.
إيران خارج لبنان
في نطاق آخر، من المهم بمكان الإشارة إلى أن قيام إيران بتسريب بنود موقفها من الشروط الأميركية لوقف النار، مشترطة أن يتزامن وقف إطلاق النار في إيران مع وقف لإطلاق النار في لبنان. والشرط يبدو حقا يراد به باطل! أي أن إيران من خلال هذا المطلب تحاول إعادة إحياء "محور الساحات" بزج اتفاق على وقف إطلاق النار خاص بها بآخر خاص بلبنان. يعني ربط الساحة اللبنانية بالساحة الإيرانية والعودة إلى سابق عهد التمدد الإيراني الميليشايوي في المنطقة.
وإذا كان لبنان الرسمي يحاول المستحيل لانتزاع وقف فوري لإطلاق النار على أرضه، فهذا لا يعني القبول بأن تفاوض إيران نيابة عن لبنان بعد كل ما اقترفته بحقه على مدى العقود الأربعة الماضية.
ولذلك فإن الشرعية اللبنانية أبلغت من يعنيهم الأمر بأن يوصلوا رسالة إلى النظام الإيراني مفادها أن لبنان يتجاهل هذا الشرط تماما، على قاعدة إقحامه بإي مفاوضات تجريها طهران، وكأنها وصية عليه. أكثر من ذلك فإن لبنان لن يقبل بأي موقف يصدر نيابة عنه. وأنه يصر على وقف إطلاق النار والذهاب فورا إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، وذلك وفقا لمبادرة الرئيس اللبناني جوزيف عون التي قدمها في مطلع الشهر الحالي.
إذا نحن أمام مشهد لبناني جديد فيما يتعلق بالعلاقات مع إيران، وهذا يشمل التحرر من وصاية "حزب الله" على القرار السيادي اللبناني. واستطراد هذا ما فرغ حرب الإسناد الثانية من فاعليتها في ظل معارضة شديدة من الغالبية العظمى من اللبنانيين لسلاح الحزب وحروبه التي لا تنتهي!
عمليا صارت إيران خارج لبنان. وما نشهده هو يشبه "حشرجة" موت العلاقات اللبنانية مع النظام الإيراني الحالي.